Azarug Amazigh
ageddim.tk ageddim.on.ma ageddim.jeeran.com

"خاتمة كتاب" عبد الكريم، ملحمة الذهب والدم

خاتمة كتاب" عبد الكريم ، ملحمة الذهب والدم"


الخميس 14 حزيران (يونيو) 2007

زكية داود

 

 

 

 

 

 
 
هاتان إذن، حياة وقصة جديرتان بالتدبُّر والاعتبار. حياة تمثلت بدايتها في مثقف بدويّ بسيط، ابن أحد الأعيان كانت رهاناته السياسية ملتبسة بسبب مصاعب المرحلة؛ وتواصلت بتحوُّل المثقف الى موظَّف إسباني وعون نشط، ولكن صعب القياد، للسياسة الاستعمارية الإيبيرية، ما لبث أن ارتدَّ، للمرة الأولى، ليتألَّق بالمأثرة العظيمة لمعركة أنْوال، في هذه اللحظة. لم يعد ولد عبد الكريم ابناً للقاضي، بل غدا عبد الكريم وحسب، أي قائداً حربياً مُظفَّراً وخبيرا متميِّزاً بالاستراتيجية العسكريَّة قام بتحديث حرب الغوار، مُستغلاً التضاريس الميدانية بكلِّ براعة. ثم تحوَّل هذا المقاتل الذكي والمتبصر الى مؤسس دولة هي جمهورية الرّيف التي حاول أن يهيِّئ لها كل المقوِّمات، من جيش، وحكومة، وبرلمان، وضرائب، وطائرات، وخطوط هاتفية، وعدالة، ومالية ، وأشغال كبرى، مدفوعا برغبة مدهشة في افادة منطقته من أسباب التقدُّم التقني. هكذا بنى دولة مُنظَّمة، قادرة على الاستمرار ومتمنعة على كل محاولات الاحتواء. وفي العالم العربي لبدايات القرن العشرين، كان أحد القلائل جدّاً الذين تمكَّنوا من تطبيق الأفكار الإصلاحية التي صيغت في تلك الفترة.

لقد كان لشأنه نفحةُ ملحميَّة ودويٌّ عالميّ، حيث صار القاضي الرّيفيّ البسيط بطلاً أسطوريّاً للشعوب المكافحة، وبات يهدّد بزعزعة البلدان الإسلامية قاطبة وحتَّى غيرها من بلدان أخرى.

ندبةٌ على الأرض
 
 
لقد أفلح في ربح أوّل نزاع مُسلَّح بعد الحرب العالمية الأولى[1]، وقيادة أول حركة تحريرية واسعة المدى داخل الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية، ووسط أحد آخر الشعوب المعرّضة للغزو، شعب صغير وفقير تقع أرضه على أبواب أوروبا. وتُعتبر محاولته، بعد ثورة أكتوبر أول المحاولات الرامية إلى الانعتاق من الوصاية الأوروبية، وأوَّل حرب ثورية وُفقت في استعمال كلِّ وسائل الحرب، من ديبلوماسية واتصالات سرية وتغطية إعلاميَّة، وحرب شعبيَّة وحتى نفسيَّة، دون اغفال تعرُّضها للحظر، والحصار، والقصف المكثف بالغازات الخانقة، ولترسانة الأسلحة المتأتية من مخلَّفات الحرب العالمية الأولى، الخ. وفي لقاءاته بالصحافيين العديدين الذين هرعوا الى الريف لاستجوابه، وبرجال الأعمال والزوار من كل صنف وجنسية ، كان عبد الكريم بارعا في استمالة مخاطبيه، بحيث لم يغادره أبدا أيّ واحد منهم وهو غير مكترث.

وتمكّن الجيش الرّيفي بقيادته من طرد الجيش الاسباني من أراضيه وهزمه مرات عديدة، وتكبيد الجيش الفرنسي خسائر عسكرية فادحة إلى درجة أنه عرَّّض في فترة ما نظام الحماية للخطر، وانتصر على ليوطي في ميدانه.

وكما أفلح في تنظيم وتوجيه معارضة السكان الرِّيفيين للهيمنة وتذمرهم منها، كان موفقاً خلال ردح من الزّمن في استغلال المنافسات الاستعمارية، والنقائص الاسبانية والانقسامات والترددات الفرنسية. وبعدما هوجم من كل جانب استمات في المقاومة حتَّى النهاية. وسيرفض التحالف الفرنسي الإسباني، الذي سيتغلب عليه بشن حرب أوروبية الطِّراز على أرض الريف المجدبة، الاعتراف له بصفة مُحارب، دون ان يستطيع إنكار مزاياه السياسية و العسكرية الفائقة، ولا كونه خصما من مستواه .

ولم يتوقّف رجل الدولة المتميِّز هذا عند إثارة موجة من الحماس و تغذية آمال عريضة في العالم المستعمَر ولا كان، فحسب، رمزاً للاعتراض الإسلامي على "حضارة الحديد" الغربية، بل صار أيضا وجها بارزاً في عصره: فكل المستشاريات وكبريات العواصم، من لندن الى موسكو، وباريس، وبرلين، ومدريد، رأت فيه وشجبت "موجةً منذرةً" و "عرضا تمهيديا مدهشا" ما كانت للتأخر في قمعه.

واذا كان أكثر الملاحظين صلافة سجَّلوا أن الدوافع الخفيَّة للأشخاص تقع دائما تقريبا خارج الأفكار السامية، فإِنَّ الحافز السرّي لعبد الكريم ولتماسكه الداخلي تمثَّل في شغفه بالحرية من أجل شعبه وبلاده، وولعه بالإصلاح للّحاق بالغرب. هو ما لا يتنافى و " رغبته في أن يترك ندبة على الأرض" على حد تعبير مالرو.

لكن ماذا كان عساه أن يفعل ضد جيش جرار وعشرات الجنرالات الذين استغرقوا شهوراً في إعداد خططهم؟ لقد كان البطل برغماتيا، فسلم نفسه بكرامة وتحمل بلا تذمر ما يشبه الموت الماثل في منفى دام إحدى وعشرين سنة. إذ كان من الأفضل في رأيه البقاء على قيد الحياة. وسينبعث في الواقع بنفس الطريقة المدهشة. لكن عمله أطلق في غضون ذلك، على هيئة دوائر متراكزة، أمواجا رجت إسبانيا وأدت الى سقوط الملكية، وقيام الجمهورية، مثلما سيكون الريف أيضا هو مصدر الزلزال الكبير الذي ستحدثه بها الحرب الأهلية. هكذا يبقى عبد الكريم بالرغم منه وإلى الأبد، عنصرا أساسيا في التاريخ الإسباني، إذ من خلاله ولدت إسبانيا الحديثة وسط الآلام. وسيستمر فيها كظل كابوسي، وجرح بليغ بمدريد.

كما كان عبد الكريم لحظة فارقة في السياسة الاستعمارية الفرنسية. حيث عجل استسلامه وسقوط ليوطي بنهاية وهم الحماية.

لكن سرعان ما توجب إنهاء هذا الفاصل الذي اتخذ شكل مسيرة ظافرة، وفتح ثغرة، ودق مبشرا بيقظة الشعوب المستعمرة، ومن هنا انطلقت عملية الحجب المحافظ عليها باستمرار[2]. ينبغي محو هذا الإنذار المخيف من الذاكرات، ولو باعتباره وعدا بكفاحات مقبلة يتعين تأخير آجالها، سيما وأنه ارتكز على التيار الإصلاحي الإسلامي، المستعد دوما للانبعاث، ونموذجه أتاتورك..

وفضلا عن ذلك، استطاع عبد الكريم أن يؤَخر مسلسل الاستعمار خمس سنوات، ويثير أولَ تجربة نضالية منسقة ضد العمليات الاستعمارية داخل الطليعة السياسية لكل من فرنسا واسبانيا. وسيعمل الحزب الشيوعي الفرنسي لفترة طويلة على استمداد احتكاره لمكافحته الإمبريالية من معارضته لحرب الريف، حتى لو اقتصرت المسألة برمتها بعد ذلك على فترة في كتب التاريخ المتخصصة. و بسبب هذا النضال ضد التدخل الفرنسي في الريف، سترى الجهات الرسمية، ولوقت طويل جدان خلف كل مقاومة مناوئة للاستعمار، "مؤامرة موجهة ضد مصالح الأمة" صادرة عن موسكو، أو عن لندن عندما سيصير الوسواس المعادي للشيوعية أقل حدة، مما يدل على رفض إعادة النظر في النقيصة الوراثية للاستعمار.

مكانة على حدة 
 
 

ومع ذلك، أظهر الريف أيضا أن معظم الرأي العام الفرنسي إبان العشرينيات تقبل النظام الاستعماري، ولم يكن يعتبره متناقضا مع مصالحه. ولعب التضليل الاعلامي دوره، حيث ساد الاعتقاد بأن هذا النظام لا يستخدم سوى عدد قليل من الجنود الفرنسيين، وأن السلطان هو الذي يدفع الثمن، وفرنسا تجني الفوائد الاقتصادية لعمليات الغزو. فليس ثمة إذن، خلافا لما يؤكده الشيوعيون، تبذير للذهب أو هدر للدم في الريف. لكن ينبغي الإقرار أيضا، رغم كل شيء، أن فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى شهدت بعض التحولات في الوضع الاجتماعي لا يستهان بها، وكذا تغيرا في البنية الاقتصادية للبلدان المتقدمة. وقد قام كل من الاشتراكيين والمدرسة بعملهم، حيث أقدم الأوائل، بعد تنازلهم أمام الحزب الاستعماري، على ابتكار مفهوم الاستعمار الطيب، وعند تسلمهم للحكم قادتهم هشاشتهم الخاصة وخشيتهم من كل شكل "للخيانة" الى الاحتماء بالنزعة الوطنية التي حولتها المدرسة الى وعي وطني.

جراء ذلك، اتسم النقاش المساند أو المعادي للاستعمار، الذي كان على أشده بمناسبة حرب الرّيف، بغلبة المشاكل الداخلية، بحيث كان المغرب، الذي لم يفهمه غالبية المساهمين في النقاش بل ولم يسعوا الى فهمه، مجرد نقطة ارتكاز. ناهيك أنه أحد آخر البلدان المستعمرة. ومن بين أقربها الى أوربا، وانتزع بعد كفاح شاق من أطماع الأوروبيين الآخرين، مما بوأه مكانة على حدة في الكوسمولوجيا الفرنسية.

وبعدما كان هدفا للرساميل مند حوالي 1850، وخصوصا منذ حوالي 1898، صار بين 1911 و 1914 عنصرا حاسما في المنافسات الأوروبية التي سيكون لها ضلع في نشوب الحرب العالمية الأولى. حتى إنه سينظر اليه دائما باعتباره خطرا، ليس في حد ذاته، ولكن بسبب مختلف أشكال النفوذ الأجنبية التي تبدو باستمرار على وشك ممارسة تأثيرها عليه، مما جعله يوصف ب""وكر الزنابير" على حد تعبير ليوطي بخصوص الريف، وكر زادت من خطورته الممارسات الديبلوماسية المشوشة، وتركيبته الداخلية المقدمة قصدا في شكل رقعة ضامة سياسية وعرقية. وفضلا عن ذلك ، ومهما قيل، فقد أوقعت مقاومة الاستعمار التي امتدت لأزيد من ثلاثين سنة، من 1902 الى 1934، ثمانية وثلاثين الف قتيل في صفوف الفرنسيين أي أكثر مما أسقطته حرب الجزائر بين 1954 و 1962 (33000).

وثمة خاصية أخرى تركت آثارا مستمرة، وهي أن وسط اليسار الفرنسي، المنتسب الى جوريس الذي عارض بقوة عمليات غزو المغرب، دافع عن هذه السياسة، ولو أنه أحس بالخطأ مع ذلك. وستعقب ذلك بلبلة إديولوجية ستخلص في النهاية الى رفض اليسار الفرنسي الاعتراف بالهوية المغربية. ذلك أن اليوطي، الذي احتل أخيرا جزءا من التراب المغربي، سيبدأ لأسباب أخلاقية وشخصية، وأيضا لدواع سياسية (استهدفت تحقيق الاستعمار بأقل تكلفة أثناء حرب 1914 –1918)، على الاعتناء بالبعد الغرائبي و تكريس المقاربة الجمالية والخصوصية الأهلية، مما أدى إلى تجميد تقليد كان يعاد ابتكاره باستمرار. وإذا كان ذلك امتيازا كبيرا بالمقارنة مع الجزائر التي تعرضت للانتهاك الاستعماري، فإنه كان أيضا إجحافا، لأن اليمين الفرنسي سيعمل بعد اليوطي، على الخلط المقصود بين "القيم المغربية" و البنيات البالية التي سيتم الحفاظ عليها بطريقة مصطنعة[3]. وهذا المغرب الذي تم تثبيته فى وضع متحجر هو الذي سيصير مصدر افتتان مقترن بدور الملاذ الذي يسكنه المتوحش الساذج، على بعد الف وسبعمائة كليومتر من أوربا، والذي سيغذي الإستيهامات الإستشراقية لجميع الأوروبيين: فبعد عبد الكريم، أخذت البرجوازية الفرنسية تزين الفضاءات الداخلية لمساكنها بُنمرق، ووردة رمال وخنجر وغطاء عريض السبائب المخططة دليلا على غرائبية سارت قابلة للاستيعاب. لانه سُينظر إلى المغرب المحتل ليس كمستوطنة للاعمار كالجزائر، بل كإلدواردو، كـ"فارويست" من نصيب بعض المحظوظين المفعمين بأسطورة بلد جديد وفتي (كاليفورنيا جديدة قبل الحرب العالمية الثانية وأثناءها) سيتحول أيضا بين 1945 و 1955 الى مصطبة فرنسية وملاذ لبعض الهيئات إبان الاحتلال النازي.

تضامن فريد و التباسات ثابتة
 
 

وعلى هذا الأساس، سيقيض للتضامن الذي حظي به عبد الكريم من طرف قسم من اليسار الفرنسي، لأسباب جوهرية خاصة بهذا الأخير، أن يتحول على نحو مدهش الى لحظة قوية وشبه فريدة لا يمكن مضاهاتها سوى بالحملة ضد حرب اسبانيا. وكان هذا التضامن رفضا للعولمة الاستعمارية أكثر منه كفاحا ضد النزعة الاستعمارية. وبهذا المعنى، يعتبر أحد الآثار النادرة، إن لم يكن الآثار الوحيد، للتقارب الإديولوجي بين ضفتي المتوسط التين ظلتا متمسكتين باستمرار بتبايناتهما و أحكامهما المسبقة ومسلماتهما.

وكانت هذه الحملة التضامنية، التي تموقعت منذ البداية في مستوى الحركة الأممية، أقل مراعاة للحسابات السياسوية، و أكثر نظارة إديولوجية من ردود الفعل على حرب الجزائر بعد أربعين سنة حيث كانت أكثر تجردا من الأفكار المبطنة الفرنسية– الفرنسية، وجسدت الى جانب الانتقادات اللاذعة التي أصدرها جوريس وبعض الاشتراكيين في بداية القرن وعيا واضحا بالواقع الاستعماري وتبعاته العالمية، وهو الوعي الذي فاجأ الواقع الفرنسي نفسه. وعملت هذه الحملة ذات المنحى الأممي على التخلص من التبشيرية الثورية والاحتجاجات الإنسانوية اللاحقة وحتى من الكفاح المعادي للاستعمار باسم الشرعية والمصلحة الوطنية، وهي التلوينات التي سيصطبغ بها لاحقا التيار المكافح للاستعمار. وضمن هذا الاتجاه، تعتبر هذه الحركة فريدة حقا، وكانت شخصية هوشي منه التي عبرتها شهادة أخرى قوية في سياقها. مثلما كانت يقظة للشرق وزوالا للأوهام لذى العديد من المثقفين ، وفي مقدماتهم السرياليون الذين أدركوا فجأة أنه بسبب الحرب وأوحالها الملتهمة للبشر، سار القرن، الذي بدأ بالكاد، فارغا بغتة من كل الوعود، ولم يعد فيه سوى وعيد الانحطاط، (وأحرق بطيش حصته من المطلق). وتساءلوا هل طويت الصحف وجفت الأقلام؟

لكن سرعان ما سيتم هنا أيضا اغلاق هذه المعترضة. وكل المعترضات. فحرب الريف لم تكن وحدها عرضة للحجب جارفة اليوطي في سياقها زمنا طويلا. اذ ما لبثت الحرب العالمية الأولى أن رزحت في الذاكرات تحت أهوال الحرب الثانية، مع أنها كانت تجسيدها المسبق وتداعيا سياسيا محتوما للأسباب اقتصادية جدا هزت العالم من أسسه العميقة.

لقد توجب اغلاق الحقبة بأكملها لكي لا تؤتي الدروس أكلها. ولا مراء في أن أسباب الحجب السريع والمدهش كامنة في كل هذا. وفي الواقع لن تؤتي الدروس أكلها. فالتضامن سيعزى الى ضلال حزب شيوعي ناشئ وتآمر الأممية في بدايتها. وما إن تم وضع عبد الكريم في السفينة التي ستبحر به الى منفاه، حتى صار الأمير، الذي كان أكثر زعماء العالم الثالث استقبالا لكاميرات الصحافيين ومسجلاتهم، نسيا منسيا حتى في بلده المغرب، الذي تسارعت به فعلا وثيرة الاستعمار وسيظل المغرب هو إلدورادو النخبة المالية والصناعية، الى درجة أن كفاحه من أجل الاستقلال في الخمسينيات لم يلقى الفهم الكامل لدى اليسار الفرنسي. ومقابل المغرب الذي تبثه اليوطي وجعل منه أسطورة والذي استمر، سيسعى العديد من التقدميين الفرنسيين الى الدفاع عن تكييفه مع القيم الفرنسية التي سيندهشون لعدم تجاوب المغاربة معها بما فيه الكفاية. حتى إن المناضلين الفرنسيين ضد الاستعمار الذين أغفلوا الأهم، سيظلون دائما ومعهم آخرون عاجزين عن فهم مكافحة المستعمرين للاستعمار. وقلائل هم الذين سيتمكنون من تمثل وبالتالي فهم طلب المغاربة المتعلق بهويتهم السياسية والثقافية[4].

لقد أبان بعضهم عن هذا اللافهم نفسه في عهد عبد الكريم. فلتأكيد الحجب الذي سيطال قضية الريف لاحقا تم اعتبارها معقدة وغامضة. والحال إننا لا نرى، مع المسافة الزمنية والموضوعية التي تقتضيها، أي غموض. أكيد أن عبد الكريم وطني مبكر روج أفكارا خطرة بين المستعمرين وكان، فضلا عن ذلك، على وشك الفوز، ولم يكن متعصبا ولا اقطاعيا. بل انه كان حداثيا أكثر مما ينبغي.. وسيقول هو نفسه بحق" لقد جئث قبل الأوان". وإذا كان ثمة من غموض، فانه كامن فحسب في التفاوت الذي كان قائما بين عبد الكريم نفسه والقوى الكبرى ولعبتها المزدوجة وحتى الثلاثية.

تفاوتات
 
 

تظهر دراسات قضية الريف أنه لم تكن هناك سياسة فرنسية واحدة، بل اثنان، حتى أربع سياسات. كانت ثمة واحدة في الرباط، في عهد اليوطي، وأعقبتها أخريات بعد مجيء بيتان وستيغ، إلى درجة أن كثيرا من الكتب التي تم تأليفها حول الريف لن تكون سوى شهادات بعدية لكل الذين سيرغبون إما في الدفاع عن استراتيجية اليوطي، وإما انتقادها، ناهيك أنها كتب صدرت جميعها عن رأي قبلي مذهل: فهي لم تكن معنية بعبد الكريم الذي كان في أعماق جباله يعتبر نفسه أتاتروك، بل إن ما كانت تنافح عنه تحط من شأنه هو أسلوب التصرف إزائه "باسم المصالح العليا لفرنسا". وهذه مجادلة لا تنتهي. لكن كانت هناك في باريس كذلك عدة سياسات ابتداء من 1924: سياسة مزدوجة انتهجتها الحكومة، فأظهرت إحداها لتهدئة الأمور مع البرلمان والرأي العام اثر ردود فعلهما، فيما لم تتضح الأخرى وهي المدمرة والإستئصالية، الا عندما توفرت شروطها، خصوصا مع اسبانيا.عندئذ لم تعد الحكومة مترددة ولا مراوغة، بل انضمت الى الحزب الاستعماري والجيش، كما كان محتما عليها أن تفعل منذ البداية، لولا أنه لم يكن بإمكانها أن تصرح بذلك. وكانت المعارضة منقسمة هي الأخرى إزاء الريف. فلا أحد كان يمارس فعلا السياسة التي يدعيها، فكان الجميع يلجؤون الى التضمين والسر، إما لتكتم على العمليات العسكرية الوشيكة وتكلفتها، أو لإبداء وجهات نظر ليست لها ترجمة على أرض الواقع.

ويبدوا الموقف الاسباني، للوهلة الأولى، أكثر بساطة: لكن اذا تفحصناه جيدا، نلاحظ أن التأكيدات المستمرة بالجنوح الى السلم، والمحاولات التفاوضية المتعددة، إنما كانت تتستر على استئناف المعارك. وكانت هناك سياستان على الأقل قبل بريمو دي ربيرا، وعند تسلم هذا الأخير للحكم انتهج سياسة مزدوجة. في انتظار إبرام الاتفاقات مع فرنسا، وهو ما شوش المجال باستمرار. وانضافت إلى هذه الالتباسات انجلترا التي سيتضح أن دورها كان حاسما على الدوام. وستكون سياستها كدولة متغيرة : فبعدما كانت مؤيدة تقريبا للأمير الى نهاية 1924، ستغير موقفها لدعم وحتى تحريك رد الفعل المشترك الفرنسي الاسباني، وهو ما لن يمنع مع ذلك من مواصلة الاتصالات بالمعسكر الريفي. لكن يبدو أنه لا ينبغي الخلط، بخصوص لندن أكثر من غيرها من العواصم، بين سياسة الدولة وتلك التي تعاطاها بعض رعاياها من رجال الأعمال والصحافيين والمتطوعين في البعثات الانسانية، مثل غردون كانينغس الذي لم يتضح مسعاه الشخصي حقا إلا عند نهاية المغامرة الريفية.

وسيسمح هذا التعقيد، الظاهري في الحقيقة، وبالأخص في فرنسا، بتصديق فكرة مؤامرة دولية مفادها أن كلا من لندن، وبرلين، وموسكو، ومدريد، وحتى روما و إسطنبول تسعى من خلال عبد الكريم إلى حرمان فرنسا من "افضل بلد في إمبراطورياتها الاستعمارية"، وهو البلد الذي لم تكن وقتئد أنهت بعد عملية غوه، والحال أن الريف أظهر، في الواقع، وكما سنرى، عكس ذلك تماما.

ووسط هذه الدسائس الأوروبية المتشابكة، والمعقدة بالقرب الزمني النسبي للحرب العالمية الأولى، تحرك عبد الكريم في البداية ببراعة. لكن عندما غدت اللعبة في أوربا مبسطة ومتشددة، أخذ ينزلق ولا يستطيع المسايرة. هنا في هذه اللحظة، بدا من البديهي حجم النقص الذي سببه له عدم خروجه من المغرب. بحيث نحس بأنه استمر في التفكير بنفس المنطق الذي كان له في بداية القرن، و أنه لا يقدر جيدا التحولات التي أحدثها الحرب في العلاقات الدولية. لقد أساء تقدير أن فرنسا،التي اعتبرها تارة منهكة جدا وطورا في منتهى القوة، كانت تعتمد ماليا على الانجلوساكسون (الذين لم تتمكن أبدا من سداد ديونها الحربية اليهم)، ولم يكن بامكانها بالتالي أن ترفض لهم أي مطلب من الناحية السياسية. ومستنيما الى تحليله، الذي كان صالحا قبل 1914، حول المنافسات الاستعمارية الأوروبية، ولا سيما الكراهية التي أظهرها اليوطي بين مدريد و باريس، لم ينتبه إلى الانزلاق الذي حدث والذي امتد فيه الأخير الى قلب الريف حيث كانت تلك هي اللحظة الدقيقة التي كشف فيها الاستعمار عن أنه نظام يتجاوز القوى التي تضطلع به. لم يعد الأمر يتعلق بإنقاذ إمبراطوريات، بل توجب انقاد النظام الامبراطوري برمته من تهديد الأهماج حتى لو كانوا حداثيين. إنه انتقال من عالم الى آخر. وستقول لندن ذلك بوضوح في نهاية 1924: لا يهم من يتحكم في الريف، شريطة أن لا يكون ريفيا أو مغربيا. وحين عرض عبد الكريم هذا النظام للخطر، إمحت المنافسات. عندئد قامت باريس ومدريد، مدعومتين من طرف لندن، بالتحضير الدقيق لهجوم مضاد غير متكافئ كان، من جهة أخرى، بمثابة تقدير الأمير الريفي، الا أنه عجل بسقوطه المحتوم الذي يبدو أنه، من جانبه، لم يستشعره الا في نهاية 1925، أي متأخرا بسنة كاملة. وهذا التأخر لمدة سنة كانت حيويا، اذ خلاله قضي أمره. وابراءً لعبد الكريم من المسؤولية، لابد من الاقرار بأن معركة أنوال وقعت بعد ثلاث سنوات من وضع الحرب العالمية الأولى لأوزارها، وعقب تسع سنوات من إبرام الحماية. لقد جاء قبل الأوان فعلا. بل الأوان فيما يتعلق بمحاولاته الحداثية التي أسيء فهمها، و توظيفه للتماسك الجماعي الذي لم يكن في البداية (أي ذلك التوظيف) ديني المنزع، ودولته وجمهوريته. ولكن قبل الأوان أيضا بالنسبة للقوى الكبرى التي كانت غير متواقتة مع تجربته ومطالبه. فهي لم تكن تفكر آنئذ سوى من خلال الاعتبارات الخاصة باقتسام النفوذ. وكان سيسعدها، بعد ثلاثين سنة من ذلك، أن تستجيب لعروضه المتعلقة بالشراكة التي بدت لها ساذجة في حينها وتعاملت معها بازدراء. لكن سيتوجب أن يموت الاستعمار لكي يولد الاستعمار الجديد.. فكم بدا هذا الكلام متعجرفا في العشرينيات لدى شخص عقدت النية على غزوه لكن دون أن يقال له ذلك بنفس الوضوح الذي قيل لفرحات عباس، لأن الأمر لم يكن واضحا تماما في أذهان الأوروبيين. ولا أدل على ذلك من أن القوى الكبرى، حين استشعرت هذا التفاوت من جانبها، و عدت بالاستجابة لمطلب الاستقلال الذاتي الريفي، ولكن بدون عبد الكريم. ولن تفي بوعدها طبعا|، لأن هذا أيضا لم يكن أوانه قد أزف بعد.

إن هذا التفاوت المستمر، القائم على مستوى جميع الأطراف وبينها وبين بعضها، وبزمن يتعين قياسه نسبة الى تجربة منذرة ثم الاحتراس من اعتبارها كذلك، وهو سبب اخفاق عبد الكريم، وليس ما يعتقد أساسا في المغرب من أنه أخفق لأنه لم يستول على مليلية و فاس، وحتى وزان و تازة حين كان عليه القيام بذلك. وهنا أيضا لا يوجد أي غموض، حيث أوضح عبد الكريم نفسه على أنه لم يرغب في الاستيلاء على هذه المدن لأنه كان منصرفا كليا الى التفاوض مع القوى الكبرى التي اعتقد أن بإمكانها أن تتخلى له عن الريف. وابراء له من المسؤولية، وبالنظر دائما إلى التفاوت المذكور، نتبين جيدا لماذا أمكنه أن يفكر كذلك. وابراء له أيضا، اثبت لنا الريف أن الزمن الإنساني وزمن السياسة لا يتطابقان دائما، والفرد عموما يسحق بينهما، لأنها مسألة وقت لا غير. بيد أننا واجدون هنا التفاوت في كل الحقب و الفضاءات الجغرافية، وعبد الكريم كائن بشري غير مجرد من الشك والتردد و الحيرة.

العولمة وما بعد الاستعمار
 
 

اعتبارا لكل ذلك، لم يكن عبد الكريم شاهدا على الريف ، ولا حتى على المغرب، بقدر ما كان شاهدا على حقبة تتلمس طريقها، ونتبين بذهول أنها كانت محتدمة بعولمة كالتي نراها حاليا[5]، دون أن يدركها فاعلوها دائما بوضوح، باستثناء السرياليين مرة أخرى.

لقد كثر الحديث اليوم عن العولمة إلى درجة تجعلنا نحس في النهاية بأن هذه الظاهرة حديثة العهد. والحال إن الريف أظهر بأن هذه العولمة كانت نشطة منذ تلك الفترة خلال سنوات العشرينيات العجيبة التي كان الناس يرقصون أثناءها في باريس على خلفية الأزمة. إذ ماذا كانت الحرب العالمية والانهيار المالي لسنة 1929، إن لم يكونا برهانين ملموسين على هذه العولمة ؟ ولم يكن عبد الكريم يواجه فحسب باريس ولندن ومدريد من أعالي جباله التي جهز نفسه فيها بهاتف وراديو، وهما من الكماليات التي لم يكن يحلم بها ثوري في تلك الحقبة، وواظب على قراءة ما يكتب عنه في الصحافة العربية، وفي الهند والبرازيل.

لم يتعلق الأمر طبعا بنفس العولمة التي نشهدها حاليا: فقانون السوق لم يكن قد فرض نفسه بعد، وتوحيد الكوكب الأرضي وابتذاله لم يكونا يتمان من خلال الأوامر الصارمة للاستهلاك، ولم يكن قد حل عهد كوكا كولا. كانت العولمة الآخذة في الانتشار آنئذ لا تزال سياسة بحتة.

لذلك قد نفهم عبد الكريم على نحو أفضل حاليا، في أزمنة ما بعد الاستعمار التي نعيشها. فبعدما دار العالم حول الأسس التي يرتكز عليها، يبدو لنا الأمير أقرب مما كان بالنسبة لمعاصريه و حديثه إلينا أكثر إستفاضة مما استطاع خلال الثلاثينيات أو الثمانينيات. ذلك أن العالم اليوم ليس متشظيا فحسب، بل أيضا أكثر انفتاحا على الثقافات غير الأوروبية، وأكثر تعددية ولا مركزية وتنوعا على المستوى الثقافي. صارت الهويات أقل ثباتا والفوارق الدقيقة عرضة للانمحاء. ويبدو من المستحيل والحالة هذه العودة الى نقاء الاختلاف وشمولية الهوية المفقودة. لقد عدنا في رأي عبد الله العروي، المؤرخ المغربي، إلى ما قبل 1914، حيث صارت نفس القوى الاجتماعية تعمل، بعدما لم يعد أمامها معقل الشمولية الماركسية أو التحررية المطلقة. لقد ولى زمن اليقينيات والأفكار الواحدة.

وطبعا إذا كان بعضهم يقبلون هذا الوضع، فإن آخرين يتشبثون بالأوهام. ولتفادي السقوط في الحصر ما بعد الاستعماري، لا بد من الإقرار بأن هذا النظام كان شذوذا ونفيا للآخر ولا إنسانيا بالتالي، ودراسته من الجهتين تبعا لذلك. ومما يجعل الأمر ميسورا أن القوى الاستعمارية السابقة هي التي تعرف حاليا زوال النفوذ والتهميش الاقتصادي. لكنها أيضا نفس القوى التي يطالب داخلها كثيرون بقيم محصنة و يحاولون ابتعاث الأشباح حتى يتجنبوا قطع العقدة التي لا تحل . ونجد نفس الحصر قائما أيضا لدى المستعمرين القدامى الذين يريدون تثبيت التاريخ والقاء رداء من العمى عليه، ويرفضون الإقدام على النقد المزدوج للغرب والتقاليد، الذي لا يمكن التقدم بدونه.

وضمن التباس الرؤى هذا، وفي سياق هذه المساءلة إزاء الآخر، يبدوا عبد الكريم أكثر حداثة من ذي قبل.

إن ابتعاثه اليوم يقودنا الى التساؤل عن الروابط الصعبة دائما إن لم نقل الصدامية، بين ضفتي المتوسط التي تستعمل كل منهما الأخرى، لحسابها الخاصة وليس لما هي عليه حقا. وما من حاجة الى المماحكة بخصوص جدار يراد بناؤه، فهو قائم منذ زمن طويل في الأذهان من خلال افتتان ونفور متبادلين و نظرة مزدوجة مستمرة. ورغم الصلات الانسانية المشتبكة جدا، لا وجود لنسيج مشترك فعلا ولا تقارب تاريخي وثقافي حقيقي. بل يمكننا القول إن هذه النظرة المزدوجة آخذة الآن في التفاقم، معززة بالأتساع المتزايد تزايد للافهم، خصوصا بعد حرب الخليج. والحال أن عبد الكريم كان من أندر الفترات التي انضمت خلالها ضفتا المتوسط إلى بعضهما ولو لوقت قصير.

ويقودنا عبد الكريم الى التساؤل عن الخصوصية المغربية المحافظ عليها في فرنسا، والتي استمرت بعد اليوطي، و التصورات الأسطورية التي أنتجتها مرحلته. وهو ما يثبت جيدا أن تاريخ العلاقة الفرنسية- المغربية يوازي من حيث أهميته البارزة تاريخ العلاقات الفرنسية- الجزائرية، ولكن وفق منوال آخر. فمع الجزائر، يتخبط الفرنسيون داخل قرب شديد الى درجة الإرباك. إنها بمثابة ذات أخرى لهم. أما اتجاه المغرب، فان المسافة ظلت محفوظة، والقريب ظل بعيدا، ليس فحسب في المكان، بل أيضا في الزمن. وفي هذا الصدد، كتب أحد الشهود سنة 1929: "إن المغرب هو آخر بلد لا تزال فيه القرون الوسطى حية بشكل كامل، ليس فقط في المشاهد الخارجية، أو في روائع الأصالة، بل أيضا في التنظيم السياسي والحياة الاجتماعية... والمرء يعيش فيه كما لو كان داخل تخيل تاريخي، وفي الوقت نفسه تلقى به عجلة مباغتة ، لا مثيل لها الا في الغرب الأمريكي، داخل صخب الحداثة"[6]. ينبغي اذا أن يظل المغرب في موضع آخر.لا يهم إن كان يتطور كيفما اتفق، إن لن يتحول الى تنين أسيوي، وإن كان لا يتنمى بالوتيرة المرجوة. لا يهم، وِنعم ما حدث ! فهذا البلد لازال يجمع مابين الغرائبية والعصور الوسطى والشرق. لذلك لم تفلح معه المقاربة التقدمية. فيما تواصل المقاربة الليبرالية- الاقطاعية عملها باستمرار. وحدها التضامنات القديمة، الطبقية في معظمها، باقية، لأنها تعرف الحفاظ على المسافة.

ويقودنا عبد الكريم، أخيرا، الى التساؤل عن المغرب كذلك : فهذا الرجل ظل محظورا، ولكنه أيضا وجه أسطوري ومرجع ضمني للتقدميين، والريفيين، خصوصا للشباب الذين يتخذونه موضوعا لأبحاثهم المتزايدة، ويجلون ذكراه، ويطمحون إلى استلهام تجربته. وكما قال نوفاليس: "إنني أحيلكم على التاريخ، فابحثوا بين تسلسل أحداثه المفيدة على أزمنة مماثلة.. وتعلموا استخدام العصى السحرية للتشابه". وهذا ما يفعله كثيرون من عبد الكريم، سيما وأن المغرب، الواقع في فخ صمته الخاص، لم يسترد بعد كل أوجه تاريخه الثري. صمت، حرج، حيرة، اجلال، بحث، هذه هي الكلمات التي تتحرك بينها ذكرى عبد الكريم في الجهة الأخرى من المتوسط، شاهدة، هنا أيضا، على طول عمره السياسي المدهش. فهذا الفينيق ينبعث من رماده باستمرار، لأنه جزء أساسي من الثورة الواعية للشعب المغربي. وإذا كان يعتبر فقط ذلك الذي القى، من خلال جمهوريته، حجرا ثقيلا قي مستنقع الأنظمة الاستبدادية، فإنه أكبر من ذلك بكثير في الحقيقة. لذلك يحوم ظله أبدا فوق أجدير.

زكية داود

ترجمة محمد الشركي


2

3

4

5

6

7
(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية