Azarug Amazigh
ageddim.tk ageddim.on.ma ageddim.jeeran.com

القبيلة العلوية المسلطة على المغرب ، والأحزاب العميلة لها وجهان لعملة واحدة !اا

 
علي لهروشي
 
 
القبيلة العلوية  المسلطة على المغرب ، والأحزاب العميلة  لها وجهان لعملة واحدة !اا

 

        قد يخوض المرء في بحثه في موضوع من المواضع التي تهم الإنسان أو الطبيعة أو الحيوانات بباقي دول المعمور ، ويستطيع  في بحثه ذلك أن يجد الطريق المنير ، و المؤدي إلى  استنتاج الخلاصات ، واكتشاف الحقائق ، وتفكيك الرموز ، وحل العقد في وقت زمني محدود ومحدد ، وذلك إما لوفرة المراجع ، أو لتسهيل مأمورية البحث و الباحث من قبل المسئولين ، أو حصوله على معطيات ، وسندات ، ومستندات تشجعه على استكماله لذاك البحث ، بقناعة الباحث وهو يطلع على الأشياء كما هي بدون تحريف ، ولا تزوير ولا تبديل ولا تغيير ، فيكون راضيا ومرضيا بذلك على بحثه ، لأنه معتمدا على حقائق لا يمكن تغييرها ، حفاظا على التاريخ والثورات ، والحضارة الإنسانية ، واحتراما لمخلفات  الإنسان كيفما كانت سلبية أو إيجابية  ، ومهما كان تأثيرها على الإنسان والمجتمع ، ومن هنا يصير الباحث مسئولا  لتنوير الرأي العام المهتم بنتائج بحثه ، وما وصل إليه من حقائق ، كيفما كانت نتائجها ، مؤلمة أو مفرحة ، لأن مسؤولية الباحث تقتضي الكشف عنها مهما كان الثمن، ومن هنا أجد أن الباحث بإمكانه أن يصل إلى نتائج معينة بباقي دول ومجتمعات المعمور ، إلا بالمغرب فقد يوضع كل شيء موضع الشك حتى يتم الوصول لليقين ، لكون التاريخ المغربي قد تعرض لكل أشكال التحريف ، والتزوير ، وطمس للحقائق ، وتغيير المعطيات ليس حسب مصلحة المجتمع والشعب ، بل وفق مصلحة الملكية ، وقبيلته العلوية الحاكمة التي سخرت المؤرخين ، و جندت الإعلاميين ، والأحزاب ، وبعض الباحثين من الموالين لها  للعمل على تغيير الحقائق ، وتدوين الأكاذيب ، بالعمل على إتلاف ، وإجلاء ، وطمس الحقائق ، والسلبيات ، و  تأريخ  كل الإيجابيات ونسبها إما للعرب لكونهم من أدخل الإسلام للبلاد ، أو للملكية وذلك لتغيير الذاكرة الشعبية ، واحتلالها ، والهيمنة عليها بنفس طريقة الاستعمار، ومحو أثار الشع الأمازيغي ، وبالتالي يعاني الباحث في الشؤون الإثنية المغربية ، وفي تاريخه الحديث ، والقديم بمختلف أشكاله السياسي منه ، والاقتصادي ، والثقافي ، والاجتماعي من غياب المصادر التي يمكن الاعتماد عليها ، وجعلها محل ثقة ، والتعامل مع ما ورد فيها بجد وصدق ، لكون الملكية والمسلمين قد عملوا يدا في يد لطمس التاريخ الحقيقي للشعب المغربي الأمازيغي والأصيل ، وتحريفه تحريفا إجراميا ، ونسب كل الإنجازات ، و العظمة التي عرفها المغرب إما للملكية أو للقادة المسلمين إبان الفتوحات الإسلامية ، وبالتالي تم تحريف الوقائع ، وتدوين الافتراءات ، والأكاذيب وإحلالها محل الحقائق التي تقول غير ذلك ، ومن هذا المنطلق يتحول المؤرخ المغربي إلى مجرم في حق الشعب ، ومن هذا المنطلق يتوجب تحرير الذاكرة الشعبية مما دونه ويدونه هؤلاء ، ليتسنى للباحث الصادق أن يقف على الحقائق كما هي على أرض الواقع ، حتى وإن كانت مؤلمة للبعض ، لأنهكما يقول المثل الهولندي " الحقيقة تؤلم " ومن هذا الباب أجد نفسي أمام تساؤلات قد يصعب علي الإجابة على بعضها من خلال هذا الموضوع المتواضع ، وبالتالي أتركه للنقاش العم حتى نستطيع إضاء السبيل للأجيال الصاعدة ...                                               

  فحسب قناعتي ، فالمغرب تجمعا بشريا منتميا للقارة الإفريقية يتواجد بأقصى شمالها الغربي ، يطل على جنوب أوروبا عبر جنوب إسبانيا وفرنسا ، وتمتد حدوده الجغرافية حاليا جنوبا حتى ما يسمى بموريتانيا ، وشرقا يقتسم الحدود مع الجزائر ، وغربا المحيط الأطلسي ، وشمالا البحر الأبيض المتوسط ، ويعتبر المجتمع البشري الوحيد بالقارة الإفريقية السمراء الذي لم يتحرر بعد من الحكم الملكي المطلق ، الذي يتشكل من سلالة ما يسمى بالعلويين الممثلين لنسبة قد لا تتعدى واحد في المائة من مجموع سكان المغرب ، حيث عرف المغرب نزوحا عربيا مع الفتوحات الإسلامية ، واستقروا بمناطق مختلفة ، وخاصة بالأحواض والسهول الغربية ، كما نزح إليه عرب ويهود الأندلس بعد سقوط غرناطة ، متمركزين في كل من منطقة  تطوان ، والمهدية و العرائش ، و طنجة وفاس ، وهو ما تقوله كتب التاريخ المؤرخة من قبل المؤرخين المجرمين المغاربة ، لأن هناك من يقول أن نسبة العرب لم تتجاوز نسبة العلويين التي هي واحد في المائة ، لكون المغاربة الناطقين بالدارج المغربي هم في الأصل أمازيغ تم تعريبهم وتخليهم تحت ظروف معينة  عن لغتهم الأمازيغية الأصلية ، وبالتالي قد لا يوجد مغربي واحد ممن لا تزال تربطه روابط الدم أو النسب أو القرابة مع العرب الأصليين المنحدرين من الشرق الأوسط والجزيرة العربية ، منأهل قيش ، واد وتمود ، وحتى المتوافدين على المغرب من الأندلس منهم اليهود، والعرب و الأمازيغ في صفة عرب بعدما اسلموا معتمدين على اللغة العربية بكونها لغة القران والدين والملة ، و الأمازيغ هم من فتح الأندلس برياسة  - طارق بن زياد - الأمازيغي الأصل واللسان مصحوبا بثمانية ألف جندي أمازيغي ، قبل أن يلحق به العربي - موسى ابن نوصير- على جيش يتصدر الأمازيغ أكثر من نصفه ، ومن هذه البوابة قد نطل على حقائق لم يذكرها التاريخ بالمغرب مفادها أن القاطنين بالأندلس من أغلبية أمازيغية ، تم تعريبهم عبر الدين الإسلامي ، وملة محمد ، و بالتالي فلا يمكن أن نقر من خلال ما سبق ذكره على أن العرب يشكلون نسبة محددة  ، فيما تظل أغلبية السكان من القبائل الأمازيغية ، وفي إطار تعريب الأمازيغ ، وتحريف تاريخهم، و نهج سياسة تذويبهم ، و السطو على ثقافتهم ، واحتلال الذاكرة ، وتحريف الإنسان الأمازيغي عن أصوله الحقيقية ، بالتركيز على منطقة فاس التي عرفت  في عهد الأدارسة ، ازدهارا ثقافيا ومعرفيا ، زاده العصر المريني متانة وتوسعا ، جعلها بذلك تتبوأ المكانة الأولى في تكوين عدد هائل من الأسر الفاسية ، واليهودية ، وتذويب الأمازيغية منها في مختلف التخصصات ، والشعب العلمية ، والإعلامية أدى ذلك إلى تعيينهم في بداية القرن الماضي من قبل السلطان عبد العزيز ليتقلدوا مهاما ووظائف مختلفة في الإدارة ، و القضاء ، و المجالس العلمية ، والثقافية ، و الدينية ، والمدارس والمعاهد و الجامعات ، وكل المهن عبر مختلف مناطق المغرب ، الأمر الذي جعل الملكية فيما بعد تعتمد على السلالة العربية واليهودية ، و الأمازيغية المعربة المنحدرة من فاس للحفاظ على الملكية وخدمة أغراضها ، وضمان استمراريتها على العرش ، بعامة البيلة اللوية التي ينحدر منها الملك .                                                                                               

  أن القبيلة العلوية التي تنحدر منها الملكية المتحكمة في نفوس المغاربة بقبضة من حديد ، لعقود من الزمان ، لم تتمكن من بسط نفوذها على كل التراب المغربي ، لما تمثله من نسبة ضئيلة إلا بعدما نهجت سياسة الصراع ، و المواجهة تطبيقا لفكرة - فرق تسود- التي دامت لفطرة طويلة حتى حدود الربع الأول من القرن الماضي ، لما قامت  إسبانيا ، بتحالف مع لسلطان بالمغرب من لغزو منطقة شمال المغرب ، لأن ذلك السلطان الحاكم  كان يتنازل عن المدن بموجب المعاهدات التي كان يعقدها مع الدول الأجنبية مقابل بقاءه على العرش ، مما أغضب مجاهدي الشمال المغربي ، الأمازيغيين الذين قرروا مقاومة التسلط الأجنبي بعيدا عن قرارات ، وحكم السلطة العلوية المركزية التي أصيبت بالضعف بعدما تمردت عليها أغلب القبائل في الجنوب ، والأطلس الكبير ، والمتوسط ، مما أدى بالسلطان عبد الحفيظ إلى توقيع معاهدة الحماية مع فرنسا لحماية المصالح الإستراتيجية لهذه الأخيرة ، من جهة والعمل على ترسيخ الملكية ، والقضاء على تمرد القبائل ، وإيقاف زحف إسبانيا نحو جميع التراب المغربي من جهة ثانية ، لكن صمود المقاومة في مواجهة المحتل الإسباني نحو باقي التراب المغربي ، جعل زعيمها عبد الكريم الخطابي يلحق خسائر فادحة بصفوف الاحتلال ، ويؤسس إمارة جديدة بمنطقة الريف عاصمتها - أجدير-  مسقط رأس هذا الزعيم الأمازيغي  ، فأصبح أمير إمارتها ، وكانت نفوذها تمتد على مساحة واحد وعشرون كيلومترا ، وتتألف من مليون ساكنا بعدما تمكن من إخماد نار ثورة - جبالة- الأمازيغ المعربين المجاورين لإمارة الريف ، المضادة له والمدعمة من قبل السلطان الحاكم بالمغرب ، وكل من إسبانيا وفرنسا . لكن الأسئلة التي تطرح نفسها هي : لماذا اختار عبد الكريم تأسيس إمارة وليست جمهورية ؟ ولماذا كان الإعلان عن الإمارة من طرف واحد ؟ هل تم وإن طرح عبد الكريم الأمر على المقاومين بالجنوب المغربي ، وبالأطلس من الأمازيغ الآخرين ؟ ما هو الهدف وراء التحديد الجغرافي لتلك الإمارة ؟ هل هو استقلال الريف وحده أم كان ذلك مجرد خطوة أولى على استقلال المغرب كاملا وإعلان جمهورية مغربية بعد التفاوض مع باقي أطراف المقاومة وخاصة الأمازيغ منهم ؟ ألم تنطبق على تلك الإمارة المقولة الشعبية المغربية الرائجة " إن كنت أنت أميرا ، و أنا أميرا فمن سيسوق الحمير إذن ؟ ألم يكن تبني تلك الإمارة للإيديولوجية الإسلامية هو سبب فشلها ؟ ما هو الفرق في أن يكون عبد الكريم أميرا لتلك الإمارة وبين الملك الذي يعتبر نفسه أميرا كذلك على بقي التراب المغربي ؟ وقد ضاق صدر المغاربة درعا بالأمير ، والإمارة وما يليها من تخلف إيديولوجي عقائدي ؟ أليست الرجعية بعينيها أن ينصب من يريد تحرير المغرب نفسه أميرا ؟ وبالتالي يسقط الأمير ليحل محله أميرا أخر كما هو الشأن الأن فيما تنادي به جماعة العدل و الإحسان ، باعتبارها لزعيمها الروحي عبد السلام ياسين كأمير للمؤمنين ؟ فما هو الفرق بين رجعيتهما إذن ؟ فهذه الأسئلة المحيرة لا تعني أنني ضد إعلان تلك الإمارة ، بل كنت أتمنى أن تكون البديل الديمقراطي التقدمي ، الحر والعادل للم شمل المغاربة أجمعين ، للتمكن من القضاء على الملكية بالمغرب ، ومن يحميها من المحتلين المتربصين بالمغرب و بالمغاربة ، وهو الحلم و الأمل الذي لا يتجرأ أحد على مناقشته بجرأة وشجاعة .                                                                                       

    وقد تطورت الأحداث في الشمال المغربي ، مما جعل إسبانيا تقترح على الزعيم عبد الكريم الخطابي استقلالا ذاتيا خاضعا لحمايتها ، ولسيادة سلطان المغرب ، وهو نفس الطرح و الاقتراح المطروح ، والمقترح الحالي من قبل كل من إسبانيا والملكية بالمغرب على الشعب الصحراوي بالجنوب المغربي ، وكأن تاريخ الشمال المغربي يعيد نفسه بالجنوب ، مع اختلاف الظروف التاريخية ، الذاتية منها والموضوعية طبعا ، وهنا يتضح جليا مدى التحالف بين الملكية وقبيلتها العلوية ، وبين القوى الاستعمارية المعرقلة لحرية ، وتحرر ، واستقلال ، وتقدم المغرب بقضائه على الملكية موطن الداء ، وهكذا عملت الحماية الفرنسية ، و لا زالت تعمل ضد تأسيس مغرب جمهوري حر، فاختارت دعمها للملكية ، بحمايتها آنذاك للسلطان للقضاء على ثورة الريف ، وعلى تمرد القبائل بالجنوب ، والأطلس الكبير والمتوسط المغربي ، وهي المناطق التي همشها التاريخ المغربي مخطئا في حق شعب هذه المناطق، فلم يبق الأمر عند مسألة التهميش ، و إقصاء تاريخ هذا الشعب المغربي الأصيل ، ومعاقبة مناطقه فقط ، بل أجرم المؤرخون في حق هؤلاء بتدوين مغالطات ، واعتبار أغلب القادة الأمازيغ من الرافضين للملكية بالخونة ، وهي نفس المناطق التي لا تزال ساكنتها من انس وبهيمة معرضة لأقسى أشكال الإهمال والحرمان والتهميش ، وللنهب والدمار والخراب ، والعقاب الجماعي من قبل الملكية المهيمنة والمسلطة ، بأساليب مختلفة إما بنشر المخدرات ، وتشجيع التهريب ، والهجرة الشرعية منها والسرية ، لئلا يهتم السكان بالسياسة ، وما يليها من قضايا الوطن والمواطن ، كما هو الشأن بالريف المتواجد بالشمال المغربي ، أو برعاية الملكية وزرعها للفساد ، والعهارة والدعارة بالأطلس الكبير والمتوسط ، فيما يمارس الحصار على الجنوب لحثه على الهجرة تحت ضغط الأزمة ، والجوع والجفاف ، وبالتالي يتم تصنيف هذه المناطق المغربية من قبل الملكية وحلفائها من القوى الاستعمارية بالمغرب غير النافع ، وهي سياسة ممنهجة من أجل إخماد أي ثورة قد تندلع من هذه المناطق المحاصرة .                                                                                                       

     من هنا تستنتج أن الحماية الفرنسية والإسبانية عملتا يدا في يد لترسيخ الملكية بالمغرب ، حماية لمصالحها الإستراتيجية بالمنطقة ، ولتفكيك الوحدة القبلية المغربية التي تحققت بعدما توافد رجالها من الشرق ، والغرب ، ومن الجنوب ومن كل المناطق المحررة من الحماية الفرنسية ، لأجل مساعدة الثورة الريفية ، فحاول كل من المحتل الإسباني ، و الفرنسي والملكية إرسال عدد من المتعاونين مع الملكية ومع الحماية الأجنبية للتوغل داخل الوحدة القبلية ، ومحاولتهم الشريرة تفريقها بدعوة كل قبيلة على حدا لعقد صلح منفرد مع الفرنسيين، أو مع الإسبان مقابل تأمين حاجيات القبيلة ، وبعد نفاد الشروط الضرورية لمواصلة القتال ، والمواجهة ، وحفاظا على أرواح المقاومين الثوريين ، فإن عبد الكريم الخطابي قد فضل الاستسلام مقابل عدم اعتقاله ، وأفراد جيشه ، فعملت بذلك فرنسا على استدراجه إلى مدينة - تازة -  ثم إلى مدينة فاس والدار البيضاء أخيرا بحجة لقاء سيجمعه مع المقيم العام ، وفي نفس الوقت عدم اعتباره أسيرا كي لا يعود المقاومون إلى ساحة القتال و المواجهة ، فأرغم عبد الكريم الخطابي على المنفى كزعيم ثائر ، يشكل  خطرا على كل من الحماية و الملكية معا  فنقل إلى جزيرة رينيون  النائية في أقصى المحيط الهادي وفي سنة 1947 اشتد الصراع بين المقاومين ، والحماية الفرنسية التي تحولت من الحماية إلى الاحتلال أظهر- محمد الخامس- الملك الحاكم آنذاك بالمغرب تعاطفه مع المقاومة الوطنية الأمر الذي أغضب المحتل الذي أراد أن يوحي إلى الملك بأنه قادر على استبداله بعدو الأمس الذي هو عبد الكريم الخطابي ، فأمرت فرنسا بنقل الأسير من الجزيرة إلى فرنسا ، وأعدت له منزلا لائقا ، وموازنة سخية لكن وقع أن  فلت  الأسير المقاوم  عبد الكريم ، و تمكن من الفرار بعدما أرست الباخرة بقناة السويس ، وقدم نفسه إلى محافظها  - فؤاد شرين - مدونا أمامه طلب اللجوء السياسي بمصر ، وطلب منها حمايته ، وهنا تطرح بعض الأسئلة للباحثين في هذا الموضوع ، وتظل الأجوبة عالقة بدءا ب : كيف تمكن المقاوم الأسير من الفرار من أيادي من يأسره ؟ ما هي الجهات الخافية التي ساعدته على ذلك ؟ ما هو المقصود من تسهيل مأمورية الفرار بمصر؟ هل هو تأمر كل من مصر والملكية على المقاوم عبد الكريم لتركه بمصر مادامت فرنسا تهدد به ، مقترحة إياه حاكما للمغرب كبديل عن محمد الخامس في حالة عصيان هذا الأخير لأوامرها ؟ أم أن هناك مساومة جرت في الخفاء بين الملكية لتلبية كل طلبات فرنسا مقابل التخلص من عبد الكريم بمصر ؟                                                                                

    لكن المؤرخين قد دونوا على أن المرحلة ما بعد فرار المقاوم عرفت  مناوشات بين كبار الجيش والأمن الفرنسي ، وبين محمد الخامس أدت إلى نفي هذا الأخير ، وإبعاده عن المغرب لأسباب سرية لا أحد يعلم عنها شيئا إلى حد الآن ،  وأعادته إلى عرشه ، بصفقة مجهولة المرامي ، و الأهداف ، وتمكينه بذلك من بسط نفوذه على المغرب باستثناء مدينتي سبتة ومليلية ، والجزر الموالية للمغرب التي لا تزال تحت الاحتلال الأسباني ،  لأسباب واردة في معاهدة سرية ، ثم منطقة الصحراء التي ظلت غامضة ، وصارت بمثابة طابو محرم على المغاربة الخوض في موضوعها ، بل هي قضية استنزفت الميزانية العامة للشعب المغربي ، وأفقرته من أجل توفير الرخاء ، و الامتيازات لساكنة الصحراء ، لا لشيء إلا لإغرائهم ، للمراهنة على تصويتهم لصالح انتمائهم للمغرب في الاستفتاء المزمع عقده ، و المنتظر لمدة تجاوزت ثلثي قرن ، استفتاء تجاوزته الظروف الدولية المتغير ليتحول إلى الحل الثالث الذي يتجاهل المغاربة مضمونه ، وأهدافه ، لأن الملكية تحكم بلغة الحديد والنار ، ولا أحد يحق له الإدلاء برأيه في أي موضوع يتناقض مع ما تريده الملكية ، المستبدة ، والمسلطة على المغرب والمغاربة  إن تشابك الأحداث العسكرية والسياسية بالمغرب جعل محمد الخامس يساهم في تقوية حزب الاستقلال المؤسس سنة 1944، وجعله قويا بالإمكانيات المادية ، و الإعلامية ، والمعرفية للدفاع عن قضيته ، وتمويه الشعب ، فصار بذلك الحزب كقوة سياسية مدافعة عن الملكية في كل لحظة وحين ، خاصة وأن العائلات الفاسية هي المهيمنة على الحزب ، و التي ترى استمرارية مصالحها الحيوية ، والحفاظ على امتيازاتها المالية ، رهينة في بقاء الملكية من جهة ، ونشرها للإيديولوجية الإسلامية ، ومحاربتها للأمازيغية بترسيخ اللغة العربية من جهة ثانية ، بالمقابل توجد حركة تحررية ضمت الفرنسيين التقدميين ، و اليهود ، والمغاربة المقتنعين بإيجابيات المعسكر الشرقي الاشتراكي تحت النظام الشيوعي الحاكم في الاتحاد السوفيتي آنذاك ، ومزاياه كتبنيه لحق الشعوب في تقرير مصيرها، وهدفه في توسع النظام الاشتراكي المعتمد على المساواة بين الناس ، بوضعه حدا للصراع الطبقي ، والاغتناء اللامشروع على حساب الشعوب والطبقات الكادحة ، فكانت تلك الحركة التحررية مجسدة في الحزب الشيوعي المغربي ، لكن هل سيفي هذا الحزب  لأهدافه التي أنشئ من أجلها عندما ستتولى الملكية زمام الأمور، فيما عرفه المغرب فيما بعد خروج الحماية الفرنسية ، بما يمكن الاصطلاح عليه بالاستقلال الشكلي ؟                                                   

        لقد استطاع حزب الاستقلال بتوجهه اللبرالي وسط المنظومة الرأسمالية ، وبإيديولوجية سلفية رجعية بزعامة الفقهاء ، والعلماء ، ورجال الدين إعطاء نمط الدولة الرأسمالية التبعية اقتصاديا ، والملكية الدستوري سياسيا ، وقانونيا ، لما يمكن تسميته في واقع الحال  بالتجمع البشري المغربي ليس إلا ، لكون  المغاربة لم يتحرروا بعد من واقع التخلف و الرجعية  ، ولم يتمتعوا بالمعنى الحقيقي للاستقلال  ، ووقوع المغاربة في الارتباك السياسي ، حيث لا يعرفون النظام الواجب إتباعه ، في غياب التنسيق بين المقاومين عبر كل جهات المغرب لبلورة الشكل السياسي ، والنظام السلطوي الواجب اختياره بين النظام الجمهوري أو الفوضى  الملكية ، وهي الثغرة التي استغلتها الملكية بتسخيرها لحزب الاستقلال لترويجه ، وممارسته لسياسة الخرافة ، واعتماده على الأساطير ، لترسيخ الملكية ، وفرضها على الذاكرة الشعبية بتحويل شخص محمد الخامس إلى أسطورة ومعجزة ، وذلك لتقديسه ، بترويج خرافات مفادها أنه ألقي به في منفاه بين الأفاعي ، و السباع ، فبايعته هذه الحيوانات ، ثم بعته من قبل الفرنسيين عائدا إلى المغرب في طائرة بدون وقود ، ولما علم بالأمر وهو في السماء اشتد جبينه عرقا ، وقد مسحه بمنديل وضعه على الفور حينها على محرك الطائرة مما مكنها من مواصلتها الرحلة بدون وقود ، و هو تعبير عما يلفق إليه من تميزه عن كل المغاربة باليمن والبركة ، مما أفشل خطة الفرنسيين في قتله ، والتخلص منه ، ثم بعد كل هذه الأسطورة تم حبك أسطورة  ظهور صورته على واجهة القمر ، وهو أمر ردده البعض ممن يعطي لنفسه صفة سياسي ، ليس فقط عبر الإعلام المكتوب و المقروء المسخر ، بل عبر المسموع منه والمرئي ، وهي قمة استغلال ضعف وجهل ، وتخلف ،وسذاجة المغاربة من قبل الملكية ، وأحزابها الذيلية التي لا تزال تستغل الشعب بحكايات ، وخرافات ، وأساطير كاذبة الغرض منها إبقاء الملكية على العرش ، وبالتالي ضمان مصالحهم الشخصية ، والعائلية ، وتمكنهم من النفوذ لمواصلة نهب المال العام ، وثروات البلاد ، فكانت تلك الخرافات هي سياسة الأساطير المكونة لسلطة ولما أطلق عليه " بالدولة المغربية " تحت حكم القبيلة العلوية ، و لكل من يحلو له أن ينعت نفسه بما يسمى الشريف ، و ينسب نفسه لأهل البيت ، و لسلالة  محمد " الرسول " للانفراد بالجاه ، والمال ، والسلطة ، والنفوذ  ، و الامتيازات التي لا تجتمع إلا في كرسي العرش ، وهي جريمة سياسية شارك في ارتكابها كل من الأحزاب ، و الملكية للتآمر على الشعب المغربي ، واستغلال فكره البسيط ، وعدم تضلعه في الدين والملة ، و العقيدة التي دخلت عليه من المشرق ، في حلة اللغة العربية  ، في زمن الفتوحات الإسلامية ، وفرضت عليه بالسيف ، والقوة ، والتطهير العرقي واللغوي ، بمنطق البقاء و السيادة  للأقوى ، بل تم استغلال الكرم ، وحسن الضيافة التي يتميز بها المغاربة الأمازيغ  الأصليين ، من قبل من يدعي نسبه و انتسابه لأهل البيت ، وهي الفجوات ، و الثغرات التي ضخم حزب الاستقلال منها ، وعمل على ترويجها وتأكيدها رغم عدم صحتها ، واستثمارها إعلاميا ، بدعاية مغرضة بكل المناسبات ، و داخل المساجد ، و الزوايا ، التي كرست الجهل ، و التخلف ، فيما ظل الحزب الشيوعي المغربي آنذاك  عاجزا دون استثماره  لتحركات القبائل ، وانتفاضاتهم ضد الملكية ، وضد الحماية الفرنسية ، وبقي مكتوف الأيدي صامتا أمام ما يروجه حزب الاستقلال ، والملكية  من أساطير، وهذا الصمت يعبر في جوهره عن قبوله اللعبة بدوره ، لأن الصراع حول القضاء على  الملكية بالمغرب يتطلب منطقا لا ثالث له : هو أن يكون المغربي صامتا ، و بذلك فهو مؤيدا لها بطريقة غير مباشرة ، و إما مؤيدا ومشاركا في دعمها بطريقة مباشرة ، وإما معارضا حيث الجهر بكل الطرق و السبل ، لأن الأمر في المسألة يتطلب الحسم بين الأبيض والأسود إذ لا مكان للرمادي ...  فيما غاب التأطير السياسي لدى المقاومين ، و جيش التحرير ، الأمر الذي جعلهم غير مؤهلين لإعطاء نمط الجمهورية المغربية كبديل عن الملكية ، وهو الفراغ ، و الثغرة السياسية التي استغلها حزب الاستقلال ، و هو ما استثمرته الملكية لتحقيق أغراضهما الدنيئة ، على  حساب ضعف ، وعي الشعب المغربي ، الغيرمدرك لما كان يخطط له في الظلام ، وما يحبك ضده من مؤامرات..                                                                        

  كان عموم الشعب المغربي منشغلا بالمقاومة العسكرية ، و المواجهة الميدانية للحمايتين ، فيما لم يهتم كثيرا بالمجال السياسي ، والإعلامي ، الذي كان يتحكم فيه الاستقلاليون ، نسبة إلى حزب الاستقلال  فقط ، وهم يطبخون بمطبخهم السياسي كل شيء ، بتنسيق مع الملكية ، حدث التوقيع على وثيقة المطالبة بالاستقلال ، و عودة محمد الخامس كملك إلى كرسي العرش ، مما أدى إلى تضارب المصالح ، ونشوب صراع  بين قيادتي الحزبين المتواجدين آنذاك على الساحة السياسية المغربية ، وهما كل من حزب الاستقلال ، والحزب الشيوعي المغربي ، وو الصراع و المخاض العسير الذي أفرز بذلك الحزب الثالث المسمى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، الذي كان هدفه في البداية هو النضال من أجل تكافؤ الفرص في تسيير شؤون المغرب ، بين المقاومين من جهة ، و الملكية من جهة ثانية ، عن طريق الديمقراطية ، وحقوق الإنسان ، الذي دعت إليه الأمم المتحدة سنة 1948 ، وإجراء الانتخابات النزيهة  ، التي ستعكس التمثيلية الحقيقية لكل شرائح المجتمع ، في ظل دستور يرضي الجميع ، لكن هل ستتحقق تلك الأهداف بفضل حزب غير متجانس في الآراء ، و المواقف ،  سياسيا ، وإيديولوجيا وربما حتى  ثقافيا ، وتربويا ، ولغويا ؟                                                                       

 

 

إن عدم التجانس ، و الانصهار السياسي ، بين كل من الأمازيغ ، والعروبين منهم ،  على مستوى القيادات ، أوالقواعد الحزبية ، و الاختلال الحاصل بين المكونات ، و الشرائح الإجتماعية المكونة لهذه التركيبة المتناقضة المصالح ، و التوجهات ، و الأهداف ، ناتج أساسا على ضم الحزب الجديد – الاتحاد الوطني للقوات الشعبية - للغاضبين من المنشقين عن حزب الاستقلال ، وهم من يعتمد الأيديولوجية الدينية السلفية الرجعية كمذهب عقائدي ، ثم الليبرالية التبعية الفوضوية المتوحشة اقتصاديا , التابعة للمعسكر الرأسمالي ، وهذا التوجه السياسي ، هو من سيبني الحزب الجديد إلى جانب خصومه ، وأعدائه في الأمس القريب من الفارين ، والمنشقين ، و الغاضبين من الحزب الشيوعي المغربي المتشبعين بالفكر الشيوعي المناهض للبرالية ، و للرجعية العقائدية ، و التابع للمعسكر الاشتراكي ، فكيف يمكن بذلك أن يتعايش و لمدة طويلة الاستقلاليون الذين تفور دمائهم بالسلفية الرجعية ، والشيوعيون المقتنعين بالتقدمية ، وبالتخلي عن المعتقد ، كيف يمكن لهاتين المنظومتين المتناقضتين ، المتحاربتين ، أن تتعايشا وتجمعا بين الأعضاء البرجوازيين من جهة ، والكادحين من جهة ثانية في حزب واحد  إسمه الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ؟ متى كان المنطق يسمح بأن يلتقي الضحية و الجلاد في نفس المركب  ، حتى اجتمع هؤلاء داخل هذا الحزب الجديد  ؟         وبذلك يظل التناقض الذي عرفته الانطلاقة الأولى في المجال السياسي ، والحزبي بالمغرب منعكسا سلبيا على مستقبل السياسة المغربية ، ما قبل وما بعد نهاية الحماية الفرنسية ، والإسبانية ومغادرة آخر جيوشهما لأرض المغرب ، وتمتيع هذا الأخير باستقلال شكلي ، لا تنتهي صلاحيته إلا بنهاية الملكية ، وتنحيتها عن الحكم ، نظرا لسببها في تأخر المغرب على جميع الأصعدة ، إذ لايشغل بقائها سوى استمراريتها في الحكم ، حتى ولو تطلب الأمر التضحية بالبلاد ، و العباد ، مما يقسم الماضي السياسي المغربي القريب ، دون الخوض في البعيد المر ، إلى مراحل يتوجب الوقوف عندها وهم : مرحلة 1955 إلى 1960 التي تشكلت فيها الحكومة الأولى ، وتضم 21 وزيرا معدل سنهم 43 سنة تحكم عنصر الانتماء لحزب الاستقلال ، و الدفاع عن عرش الملكية في خلفية اختيار وزرائها ، الذين عملوا على إجهاض الثورة الريفية الأمازيغية بالشمال ، وانتفاضة القبائل الأمازيغية بالجنوب ، التي اندلعت سنة 1958 ، ثم القضاء على جيش التحرير ، وتجريده من السلاح ، إما عبر تصفية قادته ، و أعضاءه ،  أو عبر دمجهم في قوة عسكرية تابعة للملكية ، فيما جاءت الحكومة التي غطت المرحلة  الممتدة ما بين 1960 إلى 1972 ، التي ضمت 26 وزيرا معدل سنهم 46 سنة ، وعنصر اختيارهم لا يختلف عن العنصر المتحكم في اختيار الحكومة الأولى ، سوى بضم الحكومة الثانية  لكبار الملاكين ، و التجار الميسورين ، مخافة الملكية من طموحات هذه الطبقة الإقطاعية ، التي قد تجعلها تضع العرش نصب عينيها ، حيث تتمكن من زعزعة عرش تلك الملكية الهش كعش العنكبوت ، و بالتالي سبقت الملكية لاحتضانها لتلك البرجوازية ، والعمل على مهادنتها ، حينها كانت تلك الأحزاب الثلاثة المتواجدة على الساحة السياسية تعمل في ما يسمى بالشرعية القانونية ، التي تجعلها منضبطة لما تمليه القوانين الموضوعة من قبل الملكية ، حيث لا يسمح لأحد أن يتجاوز الثلاثية المعروفة ، و المفروضة على الجميع ، وهي : ، الله ، الوطن ، الملك  ، كخطوط حمراء ، يعاقب كل من تجاوزها ، وهي القيود التي قبلتها ، وعملت بها الأحزاب ، مما جعلها لا تتجاوب مع الطموحات و التطلعات الثورية  للشباب ، و لبعض رموز جيش التحرير ، وهو ما جعل هذا الشباب يتطلع إلى بديل أفضل ، ناهيك  عن وجود عوامل وطنية ، كطغيان الملكية وحزب الاستقلال معا ، ودولية كالتدخل الفرنسي لحماية الملكية بالمغرب ، وتجاذب العالم بين معسكرين متناحرين ، إضافة إلى هزيمة العرب في حربهم سنة 1967 مع إسرائيل ، ونكستهم التاريخية ، وبذلك كان الاختيار الثوري في نظر بعض المغاربة هو المخرج ، و السبيل الوحيد لبناء الدولة المغربية الديمقراطية ، الحديثة ، خاصة وأن النواة الأولى لهذا الاختيار قد تشكلت من داخل المعاهد ، و المدارس ، والجامعات ، فكان لابد من العمل الجدي ، والبحث عن مصادر الخبرة في المجال السياسي و العسكري ، ومن هذا الباب تم الاتصال ببعض زعماء الوطنيين الثوريين أمثال كل من :  - محمد الفقيه البصري - المتواجد آنذاك بفرنسا ، و - محمد بن سعيد أيت ايدر- ، و - عبد السلام الجبلي - المتواجدين بالجزائر ، ومن تم انطلقت التداريب العسكرية والسياسية ، بكل من الجزائر وسوريا ، وهما الدولتين المحسوبتين على المعسكر الشرقي الاشتراكي التقدمي أنذاك ، فارتكزت بذلك النقاشات السياسية داخل المغرب ، وخارجه على الموضوع الإيديولوجي ، والسياسي ، وكيفية الوصول للجماهير الشعبية كقاعدة ثورية ، واعتبار الطبقة العمالية طليعة كل الفئات في التغيير الاجتماعي ، و السياسي ، و الاعتماد على الحركة الطلابية ، و العمل الثقافي و التربوي ، و الجمعوي ، في إطار وحدوي بين كل مكونات المجتمع ، بالرغم من اختلاف التقديرات السياسية ، و القناعات الثورية بين المنظمات السرية الثلاثة المتواجدة آنذاك وهم : - منظمة إلى الأمام - منظمة 23 مارس - منظمة لنخدم الشعب ، لكن قمع الملكية ، وعبيدها من الأحزاب الإصلاحية المسخرة ضد الشعب ، و التذبذب الإيديولوجي سيعمق الخلاف بين المنظمات الثلاثة ، و سيقوى جناح القصر و الأحزاب الإصلاحية ، و يجعلها تضغط على الشعب ليس بلغة وبلعبة العصا والجزرة ، بل بلغة العصا بدون جزرة ، لإن بعض المقاومين ، والمناضلين الإصلاحيين قد اختاروا العمل الشرعي ، و الانضباط  للملكية ، محاولين امتصاص غضب الشعب بكل الوسائل ، وبشتى الطرق ، وهو ما عمق من الاستبداد ، و القمع ، والبيروقراطية ، وجعل الشعب يؤدي ضرائب مالية على الإنسان ، والحيوان ، وسياسية عبر الاعتقال ، والاختطاف ، و الاغتيال ، كلما انفجر الشارع عبر انتفاضة شعبية ما ، لرفض السياسة المتبعة من قبل الملكية ، وأحزابها الذيلية ، التي روجت حكايات ، وفبركت اساطير تظهر الملكية من خلالها ، كأنها المنقد الأول و الأخير لحياة الشعب المغربي ، ومن بين ما نفخ فيه الخونة ، كما تفعل ورثاتهم الأن ، هو اظهار الحسن الثاني كملك عصري ، متواضع ، وحداثي ، وقد صوره الإعلام في صورة ملك – بفتح اللام - وليس بملك – بكسر اللام – تناقلته تلك الأبواق الرسمية وهو من بين وسط العمال بطريق الوحدة الرابطة بين كل من مدينة فاس و- الحسيمة - عبر منطقة - تاركيست - تلتها الزيارات المختلفة ، والمتعددة لمختلف المناطق الحساسة بالمغرب ، لإظهاره كملك متواضع ، ولين مع الشعب ، وهي سياسة منحته الفرصة ، وزادته من الحظ  للتحكم الجيد في السلطة ، حيث العصا لمن عصا ، ناهيك على أنه كرس خرافة انتمائه لسلالة الرسول محمد ، وهو الملك الذي تمكن بكل الوسائل غير المشروعة المعتمدة على القمع ، و الرشوة ، والإغراء ، وشراء الضمائر والذمم ، باحتواء أكبر فصائل المقاومة ، وجعلها تتبنى نهج الخيار الإصلاحي ، في نضالها بدلا من الخيار الثوري ، ومن جهة أخرى عمل على خلق أحزاب إدارية ، هدفها إضعاف الأحزاب المنبثقة عن المقاومين ، فيما يتم القضاء على أخر معاقل جيش التحرير  إبان الزلزال المعروف بمنطقة – أكادير-  ثم عمل على تكسير شوكة المناضلين الثوريين عبر الاختطاف ، و الاغتيال ، والاعتقال ، و المحاكمات ، بالمقابل يظهر نفسه كوطني بارع على باقي الوطنيين المغاربة في كل المناسبات ، والمحطات ، ومنها إعلانه قيام المسيرة الخضراء في اليوم السادس من شهر نونبر 1975التي كانت إجبارية  على الأسر المغربية ، عكس ما روج لها على أنها تطوعية ، و التي لم تكن في الواقع سوى اختبار الملكية لنفسها ، و مدى تأثيرها  ، وتحكمها في الشعب المغربي الذي ما فتئ في محطات سياسية عديدة يعبر عن رفضه ، للحكم الملكي  المطلق ، البيروقراطي ، الاستبدادي و القمعي ، مدنيا عبر الانتفاضات الشعبية ، وعسكريا عبر الانقلابات العسكرية التي عرفتها الفترة الممتدة ما بين نهاية الستينات ، وبداية الثمانينات ،                                                                                                      

   فالمرحلة الثالثة من المراحل التي عرفها المغرب قد امتدت من 1972 إلى 1982، وهو تعيين حكومة تضم 39 وزيرا معدل سنهم 51 سنة ، والعنصر المعتمد في اختيارهم هو الانتماء للأحزاب الإصلاحية المعتدلة منها ، ومن عدة شخصيات ، وفعاليات حزبية وسياسية للإشراف على إجراء الانتخابات التشريعية لسنة 1983، فيلاحظ من خلال المراحل الثلاثة  أنها مراحل مشكلة من 196 وزيرا تم فيها تعيين نسبة 3,6 في المائة من العينة المدروسة بعد سن الستين ، أي أن معدل السن للوزراء يرتفع لتصبح حكومة الشيوخ ، بعدما تحكم في ذلك معيار الانتماء لجيل محمد الخامس ، و خصوصا معيار الصداقة مع الملك ، و الولاء و الإخلاص للملكية بصفة عامة ، وبالخصوص معيار التوقيع على وثيقة الاستقلال ، فيما تم تجاهل ، و الالتفاف عن التمثيل الجغرافي  ،  والحزبي ، و النقابي ، فلم يقتصر عدم التوازن في اختيار الوزراء على المدن فقط ، بل هناك عدم التوازن  حتى بين عدد السكان ونسبة الوزراء الممثلين لهم ، حيث أن منطقة الوسط  تمثل أكبر نسبة سكانية ، ولم تمثل على الصعيد الحكومي إلا بنسبة 14,8 في المائة ، على عكس منطقة الوسط الشمالي التي تمثل على الصعيد الحكومي بنسبة 38،8 في المائة ، مع العلم أنها لا تمثل من الناحية السكانية إلا 11،7 في المائة وهذا التفوق لمنطقة الوسط الشمالي يعود إلى ما تحظى به فاس من أولوية لدى الملكية لما قدمه حزب الاستقلال ، و الفاسيون الذين هم خليط من اليهود و العروبيين  من خدمات للقصر، وهو ما جعل فاس من دونها تحتل المرتبة الأولى في تعيين الوزراء الذين يطلق عليهم  بوزراء السيادة فمن أصل 18 وزيرا تعاقبوا على الداخلية مند 1955 إلى 1992 فقد كان لفاس سبعة وزراء ، أما وزارة العدل فينحدر من فاس خلال نفس الفترة إحدى عشر وزيرا ، من أصل خمسة عشر ، أما وزارة الخارجية فلها سبعة وزراء من أصل ثمانية عشر ، ثم لها ثلاثة وزراء أولون من أصل عشرة ، وباستثناء وزيرين للدفاع المنحدرين من مدينة الخميسات ، وهذا ما يؤكد تهميش النخبة القروية ، والطبقة الشعبية ، والمناطق الأمازيغية بكل الجهات الأربعة للمغرب ، من قبل الملكية التي مارست ولا تزال تمارس الحكم القبلي ، لكونها منحدرة من القبيلة العلوية ، ولا تعطي الأولوية إلا لمن يخدمها ، ويناصرها ، و لما يسمى بالشرفاء أو اليهود والعرب ،  دون الأمازيغ ، أصحاب الأرض  والحق ، وليس الخونة منهم ، مما فتح المجال لكل أشكال التملق ، والتسيب ، والوصولية ، والانتهازية ، والعنصرية ، والمحسوبية والرشوة ، وكل أشكال الفساد على مختلف المجالات ، بل ساد الحكم الملكي المطلق ، ومنطقه الخاص و المزاجي في تسير شؤون المغرب بقبضة من حديد ، فيعفي الملك من يشاء ، وينصب من يشاء ، وهو القادر على كل شيء  ، معتمدا في اختياره على الأصول العائلية ، والغنى ، لبناء بورجوازية متوحشة لا وطنية ، و لا ديمقراطية ، ولا اجتماعية ، همها الوحيد الحفاظ على مصالحها ، بالمزيد من النهب والفساد ، عن طريق  بيعتها  للملكية التي  تستظل  بها ، لممارسة جرائمها  ضد الشعب  الأعزل ، وهي السياسة المتبعة بالمغرب  تحت الحكم العلوي ، الذي وجد في دعمه لهذه البرجوازية ،    استمرار يته ، و استقراره ، وبقائه على كرسي العرش ، وهو الأمر الذي ضمن بالمقابل لتك العينة من البرجوازيين ، و الإقطاعيين المتوحشين العيش في الرخاء ، ويسر اقتصادي ، وسياسي ، ومما يزيد من التأكيد في  هذه المسألة ، هو انحدار تسعة عشر من الوزراء المعينين خلال تلك المراحل من المزارعين ، والملاكين من الإقطاعيين الكبار ، ثم خمسة وثلاثون وزيرا من التجار الميسورين ، و خمسة عشر وزيرا من المهن المخزنية التي لها ارتباطات مشبوهة بالملكية ، وتسعة وثلاثون وزيرا من القضاة ، و الأساتذة ، والفقهاء المقربين  للقصر،  ثم سبعة عشر وزيرا من البشواة ، والقواد ، و المحتسبون ، أما المدرسة الوطنية للإدارة العمومية  فلم  تمثل إلا بوزيرين ، فيما مثلت الطبقات الشعبية بثلاثة وزراء خلال تسعة وثلاثون سنة ، فإذا كانت هذه المنافذ الظاهرة هي الطريق لتولي منصب وزير تحت الحكم الملكي الاستبدادي المطلق ، فإن المنافذ الخافية هي القرابة بين الوزراء ، و الانتماء لتحالفات عائلية معينة ، و الفوز بعلاقات مصاهرة مع عائلات مرموقة ، و نسج علاقات مع سماسرة الملكية ،  وشراء الضمائر و الذمم ،  والخنوع والركوع ، والسجود ، و التسبيح بحمد الملكية ، وكذا التوفر على علاقات مهمة ، لاستقطاب ، و تشجيع  بعض الوزراء غير المنتمين سياسيا ، أو المستقلين من بعض الأحزاب التي تراها الملكية وكأنها مشاغبة ، كي يعاقب هذا النوع من الأحزاب الإصلاحية المشاغبة ، التي ستراجع شعاراتها الإصلاحية المستفزة للملكية ، بعدم منحها الفرصة لتولي مناصب حكومية ، و بالتالي تخوف المنتمين من الوصوليين و الانتهازيين لها ، باقناعهم بعدم اعتبارتلك الأحزاب المشاغبة كمنفذ رئيسي للاستوزار ، و بالتالي يتوجب عليهم تركها ، لتظل ضعيفة ، خواية الوفاض ، و لا ثقل لها ، كما يعفى بعض الوزراء من مهامهم  دون الحكومة  كلها ، فيما يعود بعضهم ليشغل منصبا  وزاريا  أخر ، أو يعين في منصب سامي ، حسب مزاج الملك  ، أو يعود إلى البرلمان كمؤسسة صورية ، مزورة  لا  تمثل الشعب ، ولا علاقة لها بالوطنية ، و لا  بالديمقراطية ، و لا بالشأن الشعبي الاجتماعي ، و السؤال الذي يطرح نفسه دائما على الباحثين ، والمهتمين بالمهزلة السياسية المغربية هو : كيف عجز المغاربة عن خروجهم ولعقود من الزمن من المأزقو المستنقع الذي وضعتهم فيه تلك الملكية ؟      إن تحكم الأحزاب بمختلف توجهاتها في وسائل الإعلام ، هو الذي كرس التعتيم ، ومارس التضليل ، مكسرا جسر التواصل بين الرأي الحر والنزيه الذي يعبر عليه السواد الأعظم من أبناء الشعب ، أفرادا وجماعات ، فتغيرت المفاهيم عبر تلك الأحزاب التبعية للملكية وإعلامها التابعي ، و المسخر، فصار المناضل انتهازيا ، والانتهازي مناضلا ، و الخائن مقاوما ، والمقاوم خائنا ، والوطني  لا  وطنيا ، و أللا وطني  وطنيا ، والحق باطلا ، والباطل حقا ، و الظلم عدلا ، والعدل ظلما ... فأصبحت الأحزاب وإعلامها مجرد قنوات لتمرير المغالطات ، و نشر الأكاذيب ، خدمة للملكية ، التي تجازيها بالمبالغ المالية الباهظة التي ترصد لها من ميزانية الشعب تحت ذريعة الدعم المالي للأحزاب ، وللإعلام مما فوت على الشعب التواق إلى التغيير فرصة تحقيق التواصل بين الوطنيين المخلصين والشباب الثوري الهادف لإحقاق الحق ، وإزهاق الباطل ، وفرض المساواة والديمقراطية ، لكن للأسف كانت السياسة القمعية ، وأسلوب الملكية في إدارة الحكم ، هو الحاسم ، خاصة بعد استدراجها للأحزاب ، و التحكم من بعيد في تنصيب قيادتها ، وتوجيه قراراتها ، وتحويلها إلى أحزاب سلبية تطبق في وجه الشعب الغاضب مقولة " أكلمك يا بنيتي وأسمعك يا جارتي " وهي المقولة التي سقط فيها حتى الإعلام السمعي ، والبصري ، والمقروء بالمغرب ، الذي خان الأمانة ، منحرفا عن الرسالة النبيلة التي خلق هذا الحقل من أجلها ، في إنارة الطريق ، وفضح المتلاعبين بمستقبل الوطن ، والمواطنين ... كما أن الغموض و التذبذب الإيديولوجي ، و التناقض السياسي المشار إليه سابقا ، والذي ولد داخل حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، هو نفس التناقض و التذبذب ، الذي واكب المسار الحزبي المغربي برمته ، وهو السرطان الذي لم تتم معالجته مند ظهوره  منذ البداية ، وبالتالي قد تحول إلى الجسم السياسي المغربي ، لكونه السبب في الانشقاقات المتتالية التي تفجر كيان كل حزب ، كلما توقف للحسم في قضية  معينة ، أو فرض عليه إعطاء  موقف  واضح  في مسألة معينة ، فيكون ذلك بمثابة النقطة التي تفيض الكأس الحزبي ، حيث يحضر في حينه عدم ذلك التجانس الإيديولوجي ، والسياسي ،  والفكري ، و الأخلاقي ، و الثقافي ، و الإثني ، واللغوي ،  الذي لم يحسم  أمره مند بداية تأسيس الحزب ،  الذي اعتبر في حينه مجرد إختلاف ، وتعدد  هامشي ، ولم  يسيطر على هم المؤسسين سوى مواصلة عملية الاستقطاب  في  صفوف الجماهير ، للحصول على كم  بشري مؤثر إلى حد ما ، وهو ما يظل كقنابل موقوتة تنتظر وقت الانفجار، وقد تنفجر عندما تسود الأنانية ، ويغيب العقل ، وتوزع الاتهامات ، خاصة و أن المغاربة السياسيين منهم من لا تربطه رابطة  أية روابط  أخلاقية و لا  التربية على التواضع ، والتنازل من أجل المصلحة العامة ، و الحوار الجاد ، والتواصل  مع الجماهير ،عبر السمع ، و الاستماع للرأي ، و الرأي الأخر، وعلى التفوه بالحقيقة مهما كان  ثمنها ، وعلى النقد ، والنقد الذاتي ، الذي هو العمود الفقري لأية سياسة ناجحة ، إضافة إلى أن رغبة الحزب في جمع كم هائل من الأعضاء بدون قناعة ثورية قد يفتح الباب أمام اختراق جواسيس السلطة ، و الملكية لذلك الحزب ، وهم من يعمل في الأخير على تضخيم الصراع  من  داخله بغية تفجيره ، و تقزيمه ، و إعطاء بذلك مدلول سيئ  للسياسة ، وجعل الجماهير تعزف عن ممارستها ، وعدم  ثقتها في  السياسيين  حتى  وإن كانوا مخلصين لها ، وهي النتيجة التي يعيشها المغاربة حاليا .                                                                                                            

    و الغريب  في  السياسة المغربية هو أن المنظمات الثورية الثلاثة التي سبقت الإشارة  إليها ، كونها يسارية جاهلة ، وغافلة لمسألة الحسم في توجهها السياسي ، والإيديولوجي ، والثقافي واللغوي مند بداية عملها السري ، و كأنها غير واعية بأهمية الحسم في هذه الجوانب الأساسية ، وذلك  لتتجنب السقوط  في  نفس تجربة الأحزاب السابقة ، وتعيد إنتاج نفس الممارسات المسيئة للعمل السياسي ، وهو ما أنتج  كل من حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ، المنشق عن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، ثم حزب التقدم والاشتراكية ، الذي أفرزه الحزب الشيوعي المغربي ، ثم منظمة العمل الديمقراطي الشعبي ، التي خرجت للعمل الشرعي بعدما كان أغلب مناضليها ينتمون لمنظمة 23 مارس السرية ، إلى جانب حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي المعروفين برفاق الشهداء ، المنسحبين كلجنة إدارية من الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ، وكلها أحزاب وتوجهات متصارعة فيما بينها  تارة ، ومتوحدة  تارة أخرى ، وكل حزب منها يعتقد أنه الوحيد القادر على التغير ، والتأثير في الشارع عبر استقطابه للجماهير ، وهيمنته على النقابات العمالية ، والطلابية ، وعلى الجمعيات النسائية ، والحقوقية ، والطفولة ، لكن ذلك مجرد ماكياج ، ومساحيق ظاهرية ، أما الباطن منها فهو الحصول على أكبر عدد ممكن من الكراسي  داخل المؤسسات التي تعتبر في نهايتها مجرد رقعة ملكية للشطرنج ، و الهدف من اتقان تلك اللعبة هو تحسين وضع الحزب ، والوضعية المادية للمتحكمين فيه ، من قيادات ، تم تنصيبها برضا وعطف الملكية ، التي تتدخل في كل شيء ، وعندما يصل الصراع  بين المصالح الذاتية  للقياديين إلى وضع مقلق ، فإنه سرعان ما تنفجر التناقضات المسكوت عنها ، والتي همشت في بداية تأسيس الحزب ، وهو التناقض العقائدي ، والأيديولوجي ، والعرقي ، والطبقي ، و المهني ، و الإثني ...إلخ ، و هي المسائل التي  تم وأن وصفتها بالقنابل الموقوتة التي تنتظر الانفجار في أية لحظة ، سواء من قبل الجواسيس المندسين داخل الحزب ، أو من قبل الوصوليين ، الانتهازيين ، والأنانيين  من الأعضاء المهروليين للسيطرة على  القيادة و التحكم في القاعدة ، وهو ما يفرخ  خلال  كل عقد  من  الزمان أحزابا ، لا تعد ولا تحصى ، فشاء التناقض المشار إليه أن يولد كل حزب من رحم الأخر ، حيث خرج حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي من رحم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ، وحزب الجبهة الديمقراطية من رحم حزب التقدم والاشتراكية ، ثم الحزب الاشتراكي الديمقراطي من رحم منظمة العمل الديمقراطي الشعبي ، وما إلى ذلك من أحزاب قد يجهل المتتبع  للمسيرة  الحزبية المحسوبة على اليسار المغربي ، أما اليمين فلا يمكنني الإشارة إليه ولو بجرة قلم ، لأن الغيور الصادق عن الوضع السياسي  ، وعن الشعب المغربي  قد لا يكرس قلمه ووقته ، ومعلوماته عن أحزاب إدارية يمينية صنعتها الملكية بطريقة مباشرة ، بل قد يجند نفسه لانتقاد الأحزاب الإصلاحية التي خلقتها الجماهير ، وفي الأخير احتوتها الملكية ، التي تغتصب كل شيء ، أما العدد الحزبي الحالي بالمغرب فقد يتراوح خمسة وثلاثون حزبا متصارعين فيما بينهم ،حول رقعة الشطرنج للتلاعب إلى جانب الملكية بمصير حوالي  ثلاثين مليون مغربي ، وهو ما يسيء للسياسة الحزبية بالمغرب ، ويعطل تقدمه ، وانعتاقه ،              إن التعددية الحزبية المسيئة للعمل السياسي الجاد ، كانت بوادرها بارزة ، ومعالمها واضحة مند هيمنة الغموض الإيديولوجي ، و غياب الوضوح السياسي ، والهدف المحدد من تأسيس حزب معين ، وهو ما تسبح  فيه كل مكونات الحركة الإصلاحية ، فبالرغم من الشعارات الإصلاحية التي  رفعتها  تلك الأحزاب  قبل حصولها على الشرعية القانونية ، والسماح لها لولوج العمل السياسي ، فإنها ظلت تناضل ، وتتحرك داخل هامش مرسوم  لها من قبل الملكية ، وأعوانها المقربين ، وهو التعبير عن آراء محددة من داخل المؤسسات الصورية - كالبرلمان - ، وبطرق وأساليب محددة ، كمعارضتها للمشروع الحكومي ، بقولها - لا -  أو – نعم -  أو عدم مشاركتها  في التصويت ، دون أن تتمكن في ظل القيود التي التزمت بها  في إطار ما يسمى  بالشرعية القانونية لممارسة لعبة السياسية  ، أن تخالف عقدها مع الملكية ، وتنادي مثلا بذلك الجماهير للنزول إلى الشارع ، لحماية حقوقهم ومصالحهم ، لكون ذلك يتناقض مع السلم الاجتماعي ، الذي يوقع عليه إي حزب  في  بداية  تأسيسه ، أو أن تنسحب من البرلمان ، لتعطيل العملية السياسية برمتها ، أو الاستقالة من المناصب السياسية التي تحتلها بالمؤسسات المصنوعة ، والمعينة ، من قبل الملكية المطلقة المستبدة ، ل، ذلك قد يعرضها للخطر ، و يجعلها متجاوزة لما صادقت عليه قبل التأسيس ، وهو ما يسمى بالمسلسل الديمقراطي ، ما يجعل هذه الأحزاب تفضل أن تمارس التعتيم ، والأكاذيب على الجماهير ، وتجد تخريجات لتقديم  تبريرات  واهية  للشعب  بكونها تناضل من أجل تغيير دواليب الحكم من الداخل ، وهو ما يجعل المرء يتساءل : هل سيموت المغرب إذا ظل بدون أحزاب ؟ من يضغط  على تلك الأحزاب لقبول اللعبة السياسة ، والتعامل بها حسب رغبة الملكية ، كي لا ينسحبوا من العمل السياسي إن كانوا صادقين فعلا ، وإحداث فراغ للملكية وأعوانها ؟ أم أن المصالح الذاتية ، و الشخصية ، و العائلية ، هي الضاغطة  لقبول فصول تلك اللعبة ، بعيدا عن رغبة أغلبية الجماهير الرافضة للعمل السياسي تحت النظام الملكي الاستبدادي المطلق ؟  كيف لتلك الأحزاب ياترى أن تحقق الإصلاح المنشود ، في ظل سلطة متخلفة ، فرضت استمراريتها عبر العنف و المجازر ، و التخطيط  بالليل  و النهار ، لخلق خريطة سياسية تخدم مصالح الملكية ، و إقصائها للجماهير الشعبية ، وعرقلتها لأية قفزة  نوعية ، تهدف لتطوير المجتمع ، لأنها تعلم علم اليقين أن تطور المغاربة ، وتحررهم  قد يضرب مصالح الملكية ؟؟  وتجنبا لحدوث ذلك عملت الملكية ، وأعوانها ، لتوريط الحركة الحزبية الإصلاحية في خطتها المسمومة ، واستدراجها لتسخيرها كوسيط لإجهاض تقدم المغاربة ، ولذلك تتحمل المسؤولية فيما وصل إليها المغرب ، من دمار تحت الحكم الملكي المطلق ، ومن تزوير للحقائق ، وإخفاء للملفات ، وتشويه لتاريخ الزعماء ، من الوطنيين الحقيقيين ، و التستر عن جرائم الملكية في كل المجالات ، و الدعاية المغرضة لصناعة الأبطال بدون بطولات ، وما إلى ذلك من تحريف ، وتزوير للإرادة الشعبية في التغيير ،و التقدم ، والحداثة الفعلية ، ومواكبة العصر ...            إن الحركة الإصلاحية ، و اليسار القديم ، قد أدركا أن الظروف الذاتية ، والموضوعية ، تتبدل ، بتبدل المتغيرات الدولية ، والعالمية ، فلم يكن مقبولا  لديها  إذن أن  تحجب الشمس  بالغربال ، و تخفي الواقع المغربي ، خاصة بعد انتفاضة الشعب المغربي بمختلف ربوع الوطن يوم 14 دجنبر 1990 فعملت على إثر ذلك على تأسيس إطار سياسي  تشاوري أطلقت عليه اسم - الكتلة الديمقراطية -  وهو عبارة عن تجمع  قيادي حزبي ، ليس بعيدا كل البعد عن الجماهير الشعبية فقط ، بل هو إطار بعيد حتى عن القواعد التابعة لتلك الأحزاب نفسها ، وهي كتلة تجمع  نفس الوجوه ، والشخصيات من المنشقين في الماضي بعضهم عن البعض ، سواء عن الحزب الشيوعي المغربي ، أو عن حزب الاستقلال... وبعد نصف قرن شاءت الظروف السياسية أن تجمع بينهم  من جديد ، وهو ما يؤكد عن فشل اختياراتهم السابقة في الانشقاق البعض عن الأخر ، وكون وحدتهم هو الحل الوحيد لإعادة الاعتبار للشعب في التصدي للملكية الاستبدادية المطلقة ، لكن الأحزاب ليست مع هذا الطرح الجماهيري ، ولم يكن لقائها داخل إطار الكتلة إلا عندما شعرت بتجاوز الملكية  لها  كأحزاب  إصلاحية ، وتلك الكتلة  مشكلة  من : حزب الاستقلال ، وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ، وحزب التقدم و الاشتراكية ، وحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي ، وهي كتلة سياسية إصلاحية ، اعتمدت في عملها أسلوب المذكرات المطلبية الموجهة للملكية ، عبر مستشاريها ، و التي تركز على ضرورة القيام  بإصلاحات  سياسية ، بدءا بتعديل الدستور ، وضمان نزاهة الانتخابات ، ثم النظر في الملفات الاجتماعية ، والاقتصادية ، مما دفع بالملك الحسن الثاني  أن يتحدى الجميع كعادته ، لكونه ملكا مسلطا حديديا ، لا يعترف بأحد سوى بالقوة ، والجبروت ، خاصة وأنه مدعم من قبل كل من إسرائيل ، وأمريكا ، و اليمين الفرنسي الحاكم ، ولكونه أيضا العضو المتحرك مع المخابرات الأمريكية على مختلف الأصعدة ، حسب ما ذكرته مختلف الجرائد العالمية ، كجريدة عرب تايمز الصادرة من أمريكا ، وبتلك القوة التي اكتسبها من الإمبريالية العالمية الضاغطة على العالم ، جعلته يعتبر الشعب المغربي مجرد قطيع من الغنم ، وهو من يردد في خطاباته دائما مصطلحي الراعي و الراعية ، إذ أن المغاربة من مفهوم الملك مجرد رعايا وعبيد ، ولا يستحقون التمتع  بالمواطنة ، لمناداتهم بالمواطنين ، وهو الذي يعرف ما يحمله هذا النعت من حقوق ،  وواجبات ، وبذلك تحدى كل  من الشعب ، و القوى السياسية بمختلف توجهاتها ، ومواقفها ، بمنحه كعادته  دستور سنة 1992 قصد التصويت عليه بنعم ، مع عدم السماح ، أو التساهل مع كل من يروج  - لا -  وذلك  بمنع  كل التجمعات ، والتظاهرات ، واللقاءات ، وتم إطلاق العنان ، وإعطاء الأمر للشرطة السرية ، والعلنية ، ولكل أجهزة المخابرات بمختلف أنواعها ، وللدرك الملكي ، وللشيوخ ، والمقدمين ، والعريفات ، وللسماسرة  لممارسة الضغط ، عبر التهديد  والوعيد ، و الانتقام ، من كل من لا يتجه لصناديق الاقتراع  ليصوت بنعم ، وذلك لإظهار الملك للعالم أن الشعب المغربي قد صوت بأغلبية 99،99 في المائة على الدستور الممنوح ، لكن الغريب في المسألة ، و الأمر الذي لم يثره أحد في التصويت على الدساتير الملكية الممنوحة هو :  لماذا التصويت أصلا لهدر المال العام  في الأوراق ، والمطابع , الإشهار...إلخ  مادام الملك يفرض – نعم -  بنسبة خيالية عبر وزارة الداخلية ، التي قد لا تحصي حتى الأصوات أصلا ، بل تكتفي بإعطاء النتيجة التي تريدها لإرضاء الملك ، وتنفيذ  أوامره ، التي  لا  تناقش ، و لا  تعارض ، و لا  يبدي أحد  حوله  رأيا ما ؟ كيف ُيطلب من المغاربة التصويت على دستور ، في مسرحية  ُتلعب  فصولها  بإدارات  ، ومؤسسات الملكية ،  في غياب الطرف المعارض ، الذي  بإمكانه السهر على العملية منذ بدايتها ، وذلك  للدفاع عن رفضه بإحصائه الأصوات المعبرة عن – لا – أو المقاطعة لذلك التصويت من أصله ؟ وهذا ما لا يتم في الاستفتاءات التي عرفها المغرب ، وتظل الأحزاب الإصلاحية المكونة  للكتلة متفرجة عن فصول المسرحية ، معبرة بين حين وأخر عن عدم مشاركتها  فيها ، باستثناء حزب التقدم والاشتراكية الذي دافع عن الدستور الممنوح ، داعيا عبر إعلامه المسخر أعضاءه  للتصويت عليه بنعم ، وهي الصفقة السياسية التي عقدها الحزب مع الملكية ، مكنته على إثرها من الحصول على إحدى عشر عضوا بمجلس النواب ، وتمكن بذلك من تكوين فريق نيابي له لأول مرة في تاريخه ، بعدما كان الحزب لا يتجاوز عضوا واحدا بنفس المجلس الممثل بأمينه العام المدعو الرفيق - علي يعتة -  و  لعقود من الزمن ، وهو الأسلوب المعمول به  من قبل الملكية بالمغرب ، حيث تجزي من  تريد ، وتعاقب من تريد ، بكل الوسائل ، واعتمادها منح الرشاوى  للأحزاب  وللجمعيات  الدولية ،  والمغربية ، وللأشخاص لشراء ، مواقفهم وآرائهم في أية قضية ، وهذا ما يزيد من تحدي الملك للشعب ، حيث مرر دستوره الممنوح بنسبة خيالية لا يتقبلها العقل الحيواني ، فما بالك إذن بالعقل البشري ؟ ، مسخرا  لذلك الجنود ، والدرك ، والأمن ، وكل الأجهزة القمعية ، للمشاركة  في  التصويت على ذلك الدستور بلغة الأوامر ، والطاعة العمياء ، إذ لا يحق لهؤلاء  ذكر كلمة – لا -  على ألسنتهم ، مع العلم أن هذا الجهاز القمعي لا ُيسمح له بالتصويت ، والمشاركة في الانتخابات البرلمانية ، والبلدية والقروية ، وهي مفارقة عجيبة حيث يقومون بعملية الإنزال كالجراد لتمرير الدستور الممنوح ، عبر تصويتهم عليه بنعم ،  و في نفس الوقت لا  يحق لهم  الإدلاء  برأيهم  في الانتخابات الأخرى ، حتى وإن كان ذلك الرأي ، والصوت مزورا ؟؟؟ وبهذه الأساليب الديكتاتورية ، تحدى الملك الشعب المغربي  بمختلف  مكوناته الحرة ، والتواقة للتغيير ، وعمل على تزوير الانتخابات ، و إنشاء الغرفة الثانية ، التي  يتجلى  دورها  في  عرقلة مشاريع الغرفة الأولى ، كما عمل على تجميد تحركات الكتلة ، عبر التعديل الدستوري ، الذي عرفته سنة 1996 ، حيث وقعت الأحزاب المكونة لتلك الكتلة ، للملك شيكا على بياض ، بحجة استعادة الثقة بين الطرفين ، فصوتت بذلك على ذلك التعديل الدستوري ، وعبرت بنعم ، باستثناء مكون من مكونات تلك الكتلة ، الذي هو منظمة العمل الديمقراطي الشعبي ، التي اكتفت بموقفها المحتشم المعبر عن  عدم المشاركة ، وتتجلى حشمتها في مشاركتها في الانتخابات الموالية لسنة 1997 ، وقد استطاع الملك ، و أعوانه ، قلب أوراق اللعبة  ، حيث أعطى توجيهاته السامية في اجتماعات القصر السرية على جزاء أحزاب الكتلة عن موقفها الإيجابي ، الذي كان ينتظره منهم عبر ذلك  التعديل للدستور ، وحصل بذلك أن زورت الانتخابات لصالح تلك الأحزاب الثلاثة : حزب الاستقلال ، و حزب التقدم و الاشتراكية ، والاتحاد الاشتراكي ...                                                                                                     

      لقد اعتقد قيادي تلك الأحزاب  أن جزاء الملك لهم  بذلك التزوير ، هو بداية منه لإحياء العمل معهم ، بعدما فقد فيهم الثقة ، ولوقت  طويل ، وقد يمد لهم  يد الصلح  لتصفيف أوراق اللعب معهم من جديد ، لكن ثقتهم العمياء في الملك ، جعله يصفعهم صفعة قوية بمنطق السياسي الذي ُيقبل خصمه باليد اليمنى ، حاملا للمسدس باليد اليسرى ، عندما استدرجهم بعدما اخبره الأطباء بكون الموت يطارده ، وقد يلحق به في زمن  قصير ، لن يحسب له حسابا ، ولكونه لابد  من  خدع  المغاربة جميعا ، وجر الأحزاب بكل منطلقاتها لتقديم البيعة لولي العهد بعد موته ، فقد عمل على تنصيب زعيم من زعماء الكتلة المدعو  - عبد الرحمان اليوسفي -  كوزير أول ، وهي الضربة القاضية للأحزاب التي أنشأت تلك الكتلة ، وهي الضربة القاضية كذلك للشعب المغربي ، الذي كان يعلق أماله على مكونات تلك الكتلة ، وفي نفس الوقت كانت العملية التي أظهرت النوايا الخبيثة لتلك الأحزاب الإصلاحية ، التي ُتنسب نفسها للجماهير ، وتم بذلك الكشف عن تخاذلهم للشعب ، الذي فقد فيهم الأمل ، والأمانة ، والثقة إلى وقت لا رجعة فيه ، وهو ما جعل نصف الشعب ينتقم منهم ومن نفسه بمساندته للإسلاميين ، بدعم أحزابهم ومنظماتهم ، وجمعياتهم ، بالرغم من عدم قبوله ، و رضاه عن برامجهم ، ومواقفهم ، وخطهم الرجعي ، والإيديولوجي ، فيما مارس النصف الأخر من الشعب عزوفه عن أي عمل سياسي  بالمغرب ، وظل بعيدا عن المسرحية السياسية الدائرة أطوارها بين الأحزاب ، و الملك ، ولم يمس الشعب وحده من هذا المسلسل ، و المسرحية الخبيثة ، بل حصل وأن انتقلت عدواها إلى داخل الأحزاب نفسها الإدارية منها ، و الإصلاحية ، حيث برزت من  داخل هذه الأخيرة  ثلاثة  توجهات متشنجة  فيما بين  بعضها البعض وهم :                                          

         1 التوجه الإصلاحي الذي يدافع عن المشاركة في الحكومة لكسب التجربة ، عوض الانتقاد من بعيد ، مع العمل على الإصلاح من الداخل...                                                             

            2 التوجه الإصلاحي الذي يرى أنه بدون إصلاح للنظام السياسي ، عبر التعديل الدستوري والفصل بين المؤسسات ، وإطلاق الحريات ، لا يمكن لجهاز تنفيذي أن يحقق مكتسبات معينة ، لأنه لا يتوفر على صلاحيات حقيقة ، بالإضافة إلى عدم توفر شروط النزاهة ، والمصداقية حتى يتم بذلك إنجاح ما سمي بالتناوب ، الذي روج  له الإعلام السمعي ، والمرئي ، و المقروء...                    

    3 التوجه الثالث الذي يريد الاحتفاظ عن ماء وجهه أمام الجماهير ، وصار بذلك تائها بعدما احتد الصراع ، وتم تشتيت كل الأحزاب ، وصنع أخرى جديدة ...                                            

        لقد انتصر الملك كعادته في تجميد الكتلة ومطالبها الإصلاحية ، كما تمكن من رسم خريطة سياسية ، تخدم مصالحه بالدرجة الأولى ، من خلال تزويره للانتخابات ، ثم نزعه للتعهد ، والعهد من قبل الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي  للقوات  الشعبية المعين كوزير أول ، لتغيير العجلة السياسية المغربية المعطوبة ، و لضمان استمرارية الملكية عبر مبايعة  ولي عهده ملكا في حالة موته المباغت في أية لحظة ، الذي صار يقترب على الأبواب ، لإصابته بمرض ظل سره حابس جدران القصر ، إلى الوقت الحالي  ، فتم بذلك الإعلان عن حكومة الكتلة الإصلاحية  ليوم واحد مارس 1998 رغم تزيف الانتخابات ، و الإرادة الشعبية ، التي اعترف بها الجميع ، وتشكلت بذلك حكومة اليوسفي الأولى من سبعة أحزاب  ، حتى من التي كان يعتبرها إلى وقت قريب حزب الوزير الأول الاشتراكي المعين ، بالأحزاب الإدارية ، التي لا يجب التعامل معها  تحت أي ضغط ، بكونها  المسؤولة إلى جانب الملك عن فساد العمل السياسي ، و المجال الاقتصادي ، و الاجتماعي ، و الأخلاقي ، والإداري ، متحالفين جميعا مع بدعة سياسية  لا توجد  بالعالم  أجمع ، وهي  ما  يسمى  بوزارات السيادة ، وهي وزارات معينة ، ولا تخضع لسلطة الوزير الأول ، و لا تنبثق عن المجالس ، ولا تخضع لمسائلة أحد سوى الملك ، ووضعها لا يلتقي  لا  مع منطق  الأغلبية ، و لا  مع  منطق  الأقلية ، ثم اللعب من داخل مؤسسات مزورة ، والحكم بدستور ممنوح ، لا  يعطي السلط  الكافية  للجهاز التنفيذي ، حتى يتمكن من رسم سياسة البلاد ، ويعمل على تنفيذها ، ليكون بذلك مسؤولا  أمام  الشعب ، فكان أن سقط الملك مع حكومة الأحزاب الإصلاحية في مسرحية سياسية قد يطلق عليها " الرقصة بين الأعمى و الأعرج "                                                                               

   ولا أدري كيف غاب على عقل السياسيين المغاربة ما لم يغب على الشعب ، إذ أن الجميع  مقتنعا أنه من الناحية الأدبية ، والأخلاقية ، لا يمكن الحديث عن الانتقال الديمقراطي ، والتناوب الحقيقي ، و الحريات ، وغيرها ، من انتخابات نزيهة في ظل الملكية الاستبدادية القمعية ، التي تضغط  بكل السبل لتعين حكومات مختلطة  ، لا تسمح   تشكيلتها المتناقضة سياسيا ، و إيديولوجيا بوضع برنامج متفق عليه ، و أهدافا واضحة ، مما جعل الاشتراكيون المتورطون في الحكومة المعينة بأسلوب ملكي احتقاري ، واستبدادي ، يروجون لمشاريع  بتبريرات  واهية ، ليبرالية ، أكثر توحشا من اللبرالية المعتادة  لدى ما يسمى بالأحزاب الإدارية المصنوعة  بطرق مباشرة من قبل الملك ، وحاشيته لممارسة اللعبة السياسية ، مع الأحزاب الإصلاحية المصطنعة  كذلك من قبل القصر بطرق غير مباشرة ، لكن الفارق الوحيد هو أن البعض من تلك الأحزاب يحسب نفسه عن اليمين ، فيما يحسب الأخرون أنفسهم غعن اليسار ، وبالتالي لا يرجى منهما معا شيء لتحقيقه للشعب ، وتلك هي خطة القصر ، حتى تظل الوضعية على ما هي عليه ، حفاظا على مصالحه ، وضمان استقراره ، وبقائه على العرش ، رغما عن أنف المغاربة ، من الرافضين للملكية  الاستبدادية ، المسلطة ، و  القمعية ، التي تظل الوحيدة المتحكمة في تسير كل شيء بدون منازع ، و التخطيط لكل شيء ، مثل ما يسمى بالتناوب ، ومنحها الدساتير ، وتقسيمها للخريطة السياسية ، عبر تزوير الانتخابات ، التي عرفها المغرب مند مغادرة الحماية الفرنسية ، والإسبانية ، اللتان كرستا الحكم الملكي  بالمغرب ، وبما أن الأحزاب الإصلاحية قد تورطت في مشاركتها في الحكومة الاشتراكية المعينة ، وعجزت بذلك عن قيامها بأي شيء لصالح الشعب ، فإنها نهجت سياسة المكر ، و الخداع بادعائها ، وتحميلها المسؤولية لوجود ما تسميه بجيوب مقاومة التغيير من داخل الهيكل الحكومي ، و عرقلته للمشاريع التنموية ، ودفاعه فقط عن حماية مصالح اللوبي ، الذي لا يزال يسيطر على دواليب السلطة و الاقتصاد ... متغافلين ، ومتجاهلين  بذلك عيوبه م كمحسوبين عن الاشتراكيين ، ممن يعرف حق المعرفة أنه لا الشروط السياسية ، ولا الدستورية ، ولا القانونية ، متوفرة لأن تكون هناك  حكومة  قد يمكن أن نسميها حكومة التناوب ، التي لم تأتي في إطار مد جماهيري ، ونقابي ، و حزبي ، كدعامة لنجاحها ، ومنحها الدعم والمساندة ، مع مراقبتها ومحاسبتها ، من قبل نفس الجماهير في حالة خطئها ، لكن الملك شعر من خلال وضعه الصحي المتدهور ، و الخطير بضرورة تغيير العرش من ملك على وشك الموت ، إلى ملك  شاب ،  بإمكانه ضمان استمرارية الملكية ، ومن تم تعددت الخرافات ، وتنوعت الأساطير ، استعدادا لتقبل الشعب للملك الجديد ، حيث  تجنذت المخابرات وأعوانها ، من أحزاب ، وجمعيات ، ومنظمات ، وإعلام ، لترويج  إشاعات  مختلفة ، كوجود اختلاف مند القدم بين الملك ، وابنه الأمير، وإظهار هذا الأخير وكأنه على صواب في ذلك الخلاف بميله للشعب أكثر من أبيه ، ثم كونه يتحرك بسيارة عادية بدون حراس ، ويحترم إشارة المرور كباقي السائقين ، ويحيي الناس بتواضع ، ويعانق المعاقين ، والمعطوبين ، وذوي العاهات ، ويحب الفقراء حتى وصفه الخونة بملك الفقراء وهي نفس السياسة المتبعة عبر الحكم العلوي ، المعتمدة على سياسة الأساطير ، والأكاذيب ، والمراوغات ، والنفاق ، لاستغلال النوايا الحسنة للشعب المغربي النبيل  ، أما العقلاء  فيعرفون  حق  المعرفة  مدى خطورة  الملكية على المغرب ، و المغاربة ، وما تسديه للمغرب من انهيار أخلاقي ، واقتصادي ، وسياسي ، وتحميلها  ديون ا لتتمتع الملكية في الرخاء ، والبذخ ، على حساب الشعب المغلوب  على أمره ،                                                     إن الغريب في الأمر هو أن الأحزاب المغربية الإصلاحية منها على الخصوص ، تمارس النفاق ، والمكر ، والخداع المغلف بالسياسة ، دون أن تعتبر الذاكرة الشعبية التي تسجل كل شيء ، وقد لن يترحم أحد حتى على هؤلاء عندما تنتهي أعمرهم  ويوارون  في التراب ، لأن تلك  الأحزاب  كانت ومنذ الحماية ، تقف في صف الملكية الديكتاتورية المسلطة ، و لا تعير أي اهتمام للشعب ، وصولا حتى أخر حكومة للاشتراكيين  تحت رآسة الوزير الأول الخائن ، عبد الرحمان اليوسفي ، التي عملت